احدث المقالات
Home > كتاب الحدث > الافتتاحية > الافتتاحية: للسياسة أمراض

الافتتاحية: للسياسة أمراض

بقلم: عبد المنعم سبعي:

أوشك المغاربة الآن أن يختلفوا على ظهور الشمس ومواعيد الصلاة، والحيرة ما بين ثوابت لم نختلف عليها، وثوابت أخرى استجدت ولا مكان لها في كل الأعراف.. من يتحدث الآن باسم الوطن..هل هم رجال الدين..أم رجال الفكر..أم أهل الفن أم تجار السياسة..إن الفرق كبير جدا بين الوطنية والسياسة، فليس كل سياسي بالضرورة وطنيا..وليس من الضروري على كل من احترف السياسة أن يتاجر في الوطن.. الوطن شيء والسياسة شيء آخر.. إن الوطنية تعني قبل كل شيء الولاء والانتماء والتضحية من اجل الوطن أما السياسة فلها لغة أخرى وحسابات مختلفة تبدأ بالمصالح وتنتهي بالارتزاق وما بين الاثنين يمكن أن تهدد القيم وتفسد الأخلاق..
إن الوطنية لا ترتبط بالنخب سواء كانت سياسية أو فكرية أو دينية لأنها تتجاوز كل هذه الآفاق إن فيها الفكر والدين والسياسة وفيها ما هو أعمق وهو تراب الوطن والأرض التي يعيش عليها الإنسان وهى اكبر وأقدم واعرق الحقائق في تاريخ البشر..والأرض ليست قطعة من تراب إنها الزمن والعمر والحياة والماضي والحاضر والمستقبل..إن الشارع المغربي الآن يكاد أن ينسى أول دروس الوطنية وكنا نتعلمها في الأسرة والمدرسة والكتاب والمسجد والملعب وحين اختلفنا حول مفهوم الوطن ومعنى الوطنية انقسمت الأسرة على نفسها فهذا سلفي وهذا إخواني وهذا وطنى وهذا رجعى..لقد اختفت صورة الوطن بمعناها القديم وبدأت الأشياء تصغر في عيوننا حتى وجدنا أنفسنا ندين بالولاء لفريق أو جماعة أو عصابة..
وفى ظل هذه الانقسامات، تسربت في حياتنا أمراض السياسة وصراعات الساسة، وأصبحت السياسة هي التي تحرك الفكر والسلوك والأهداف والمصالح، رغم أن الوطن هو الذي كان دائما يجمعنا في السراء والضراء وفى تاريخنا فترات كثيرة توحدت فيها أحلامنا ورؤانا تحت راية الوطنية ولكن السياسة بوجهها البغيض، حملتنا إلى مناطق أخرى استنزفت قدراتنا، وشردت صفوفنا وتركتنا فريسة للضياع .
لا يمكن لإنسان عاقل أن يطالب مجتمعا يعيش في عالم فقد كل مشاعر الإنسانية، بأن يتخلى عن السياسة، ولكن هناك فرق كبير بين سياسة تبنى الأوطان، وتدفعها لمستقبل أفضل وسياسة فرقت كل شيء حتى أبناء الأسرة الواحدة، حين تتحول السياسة إلى تجارة باسم الدين، ونهب لثروات الشعوب وتقسيم الأوطان إلى جماعات وشلل فهي وباء يدمر كل شيء..وهذا ما يحدث في المغرب الآن..لم يكن المغرب في يوم من الأيام بهذه الدرجة من الانقسامات ولم يكن شعبه بهذه الدرجة من الكراهية وهذا ما أخذنا من صراعات السياسة ومعاركها الفاشلة.

إن ثقافة المزايدة والدعاية الفارغة يصعب تغييرها بين يوم وليلة، فرجالها ما زالوا في الساحة، وتغيير الثقافة يتطلب ربما عدة أجيال، ونشأة أجيال جديدة منذ الصغر، تقوم على الثقة بالنفس والقدرة على النقد، وتغليب مصلحة الوطن على مصلحة الشخص، إن مثل هذه التصرفات التي برع فيها بعض السياسيين هي التي تدفع الشباب التواق إلى الديمقراطية الحقيقية إلى مقاطعة الانتخابات، وإعلان القطيعة مع كل ما هو حزبي وسياسي.

هذا هو زمن غياب صوت الحكمة  الذي يعانى منه مشهدنا السياسي والإداري، وهو مشهد ليس بوسعه أمام خطط المفسدين سوى تكريس الفوضى وصيحات الاحتجاج التي أصبحت عنوانا مزيفا لمطالب التغيير والإصلاح باتجاه الديمقراطية، ورفض الاستبداد بينما هي في حقيقتها توفر الأسباب والذرائع لاستدعاء الانضباط الغائب، بعد أن تحول المشهد العام إلى ما يشبه الرقص المجنون نتيجة تداخل الأمور وتشابك التعاريف، وانفتاح الساحة السياسية والإدارية على مصراعيها لمن تأهل ومن لم يتأهل. لكن وعي صاحب الجلالة بضرورة القطع مع هذه التجاوزات، وحرصه على التأسيس لمرحلة جديدة وبلورة سياسة حكيمة تقوم على تحديث عمل الإدارة وربط المسؤولية بالمحاسبة، قد يجتث مظاهر الفساد من جذوره. وقد يبعد الشياطين من طريق سعادة البؤساء، وحتما فإن الشياطين لا يصنعون السعادة، وأن البؤساء لن يكفوا عن انتظار الملائكة جيلا بعد جيل.

إن مطالب المواطن المشروعة لا يكون لها الأثر الحقيقي إلا في ظل فرض النظام واحترام القانون، وإن احترام القانون هو العنوان الرئيسي لأي مجتمع متقدم، فليس هناك دولة بلغت درجة من التقدم والرقي بعيدا عن التطبيق الصارم لمبدإ احترام القانون، ولا يمكن الحديث عن هذا الاحترام إذا كانت إدارات الدولة لا تحترم كل حرف من حروف القوانين المعمول بها والمستمدة من الدستور.
والدولة في أعراف الشعوب المتقدمة لا تنحصر في الحكومة وحدها ولا في السلطة التشريعية والقضائية فقط، وإنما هي كل مؤسسات المجتمع سواء كانت حكومية أو غير حكومية، فهل ستنتصر هذه المبادئ على إخراص صوت الفساد، وإذاك سنحس بأن الإصلاحات التي شهدتها بلدنا قد أتت أكلها، أم ستظل الكلمات تنسج بعيدا عن أي تغيير؟ وإذ ذاك سأسائل نفسي مرة أخرى ما مصير الصرخات الشاردة بين الصحف والاستنكارات؟ وبالرغم من كل هذه اللامبالاة المصاحبة لكل هذه الآهات ستظل الكلمة حية لا تموت، والكلمة سر الله وسره سبحانه لا يباع ولا يشترى

إنها منظومة القيم التي اختلت لذلك انتشر من يتاجر بالباطل ومن يبيع نفسه كل ليلة لمن يشترى، ونتساءل أين ذهب ما كان يسمى الضمير وأين رحلت منظومة الأخلاق والقيم والغريب أن يتبجح الإنسان بالباطل ويفتخر بقلة الأدب ويزهو بالمال الحرام، ويتعلم منه الأبناء كل هذا وتنبت أجيال فاسدة تعلمت من آبائها النفاق والضلال والاختلاس..أليست مصيبة؟ إن المتظاهر بحب المكان في غياب القيم الرفيعة  قد  يساهم في تشويه المكان وتعاسة الإنسان ولا يعترف  بشيء يسمى الحب أو الوفاء بالوعود وينسى كل ما عاشه في لحظات، ولكن الذى سكنته القناعة، واستحضر القيم النبيلة التي تشبع بها يتسع قلبه لكل ما هو جميل ونقي وطاهر في هذه الحياة، ومنذ اختفت هذه القيم سيطرت خفافيش الأحزاب على مصائر الوطن.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.