احدث المقالات
Home > الحدث > الريف في الرواية العربية من خلال رواية “أخبار عزبة المنيسي” ليوسف القعيد (الجزء الثالث)

الريف في الرواية العربية من خلال رواية “أخبار عزبة المنيسي” ليوسف القعيد (الجزء الثالث)

بقلم الدكتور إسماعيل فيلالي

1) حضور الريف في إنتاجات القعيد الروائية:

وجه الروائي جمال الغيطاني سؤال المحمد یوسف القعيد،في ندوة حول مشكلة الإبداع الروائي عند جيل الستينيات، جاء فيه ” أود أن أسألك سؤالا يا أستاذ يوسف: لقد كتبت أعمالا جيدة عن القرية.

ولكن كيف تستطيع أن تكتب الآن عن القرية بعد أن غادرتها وعشت في القاهرة وتغير حتّی موقفك الاجتماعي؟ أجابه يوسف القعيد: إنني أحمل القرية معي أينما حللت، فمصر كلها قرية كبيرة واسعة، وفي القاهرة أقابل ريفيين كثيرين، ولا أستطيع أن أحدد أين تبدأ القرية، وأين تنتهي المدينة، إن القرية هي مصر بقيمها وأصالتها وبساطتها”، إن هذا التصريح يغنينا من البداية عن البحث في الأسباب التي جعلت يوسف القعيد يرتبط ارتباطا حميميا بالريف المصري ویوليه أهمية كبيرة إلى حد جعل كل إنتاجاته الروائية تتخذ من الريف موضوعا لها. وظلال ارتباط وثيقا يتجاوز ما هو مادي إلى ما هو نفسي، فذابت القرية في روح الفقيد وحملها في قلبه إلى الأبد. تری من هو محمد يوسف القعيد؟

ولد یوسف القعيد سنة 1944 في قرية الضهرية ككل أطفال القرى المصرية، دخل “الكتّاب” ثم دخل المدرسة عام 1955، وبعد أن انتهى من المرحلة الإعدادية، ولج معهد المعلمين. كما أنه التحق بالجندية، وبعدها تفرغ للعمل الصحفي في مطلع السبعينيات. إلا أن هذا لم يمنعه من أن يبرز کروائي وقاص کبیر، وهذا ما جعل القعيد “يأخذ مكانة ضمن طليعة الروائيين الذين  يعبرون عن ضمیر مصر الآن، ففي الوقت الذي يصمت فيه البعض يأسا أو طلبا للأمان، ویکتب الآخر روایات أقرب إلى الصمت، ينطلق القعيد بقلمه إلى آفاق تكاد تكون جديدة في الروايات المصرية، يتوغل في أعماق الريف المصري ليتكشف شبه العلاقات الاقتصادية والاجتماعية التي تحدد صورة الواقع، وهو في الوقت الذي يفضح فيه أساليب السماسرة الطفيليين، وعتاة الإقطاع القديم والجديد، ويكشف النقاب أيضا عن تشوهات السلطة التي تعبر عن مصالح الطبقات الجديدة التي ازداد نفوذها… وبهذا كان القعيد من الرجالات القلائل الذين أفصحوا عن الوجه الحقيقي لمأساة الإنسان العربي في ريف مصر، وقد كانت روايته “الحداد” خطوته الأولى في رحلته الروائية سنة 1969، بعدها كتب “أخبار عزبة المنيسي سنة 1971، ثم “البيات الشتوي” وأیام الجفاف ” سنة 1973، و”في الأسبوع سبعة أيام” و “يحدث في مصرالآن” سنة 1975، وفي سنة 1978 ألف “الحرب في بر مصر”، و “شكاوي المصري الفصيح” في سنة1981.

كل هذه الروايات لا تختلف في مضمونها العام، اللهم في بعض جزئياتها القليلة، حيث نجد الموضوع المهيمن هو تطلع الريف إلى التغيير واستشراف المستقبل الجميل.

فإنتاجات القعيد تعبر عن الريف المصري، وخاصة قرية الضهرية وما يجري في الريف من صراعات وتناقضات بين فئتين اجتماعیتین: واحدة ميسورة والأخرى معدومة لا تملك أي شيء.

ونود قبل مدارستنا لرواية “أخبار عزبة المنيسي” أن نشير ولو بإيجاز إلى مواضيع مؤلفاته التي اهتمت بقضية الريف، فرواية “الحداد” تطرح فكرة عجز الإنسان أمام المجهول. فمنصور أبو الليل ملك الضهرية يتمتع إلی جانب فدادينه ـ بقوة جسدية عظيمة وقدرة هائلة على إرهاب الآخرين، ويموت مقتولا ذات مساء في حقله، يقتله مجهول أو عفريت؟ و تسفر تحقیقات النيابة عن معرفة القاتل، وانطلاقا من هذا الحدث تأخذ الروایة في تكثيف الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي لقريةالضهرية الموازية لمصر في الواقع الخارجي. أما رواية “البياتالشتوي” فتطرح موضوع العدل المفقو دفي عزبة المنيسي.وفي “الأسبوع سبعة أيام” نقف مع القعيد على آثار حرب أكتوبر 1973 على أهل القرية، تدور أحداثها في الضهرية سنة 1973 قبل الحرب مباشرة، وغداة قيامها، يصف المؤلف في هذه الرواية مشاكل أهل الضهرية، وأثر الأحداث عليهم ومفهومهم للحرب، كمايرسم صورة الجندي المصري كرجل سلام همه الزرع والأرض والخير، أما الحرب فهي الشيء المكروه الذي يضطر إليه من أجل استرداد الحق.

في حين تعالج رواية “أيام الجفاف” موضوع ابن المدينة الذي عين في الريف، فيعاني العزلة، حتّی یدفعه الملل والشوق إلى الحياة أن يقوم بأعمال تؤدي به إلى الانهيار النفسي فيفقد توازنه، ويضيع عمره، في تلك العزبة أو القرية الصغيرة (الرزيمات) من ريف محافظة البحيرة. أما رواية “يحدث في مصر الآن” فتعتبر عملا متميزا نظرا للوعي والجرأة والدرایة التي ميزتها. مما جعلها تصادر آنذاك من لدن الرقابة، وهي تؤرخ لمرحلة تاريخية محددة للمجتمع المصري عامة، والريف خاصة، وليست هاته المرحلة مطلقة وإنما هي مرحلة محددة تحديدا زمنيا، بل إنهالا تتعدى أسبوعا كاملا. (الجمعة 7 يونيو ـ السبت 15 يونيو 1974). وهي تحكي حياة قريته بعد معركة أکتوبر بـ 8 أشهر عند زيارة الرئيس الأمريكي نیکسون لمصرف ييونيو سنة 1973، وقد شكلت هذه الزيارة / الحدث المنطلق الأساسي للقعيد في تحديد الفئات الطبقية والعلاقات الاجتماعية داخل الريف المصري، ومن خلاله جعل الصراع يدور بين الطبقة المستغلة والطبقة المستغلة، وعبر عن رأيه من بين صفوف الفقراء بكل شجاعة وجرأة بالرغم من شراسة النظام المصري، ولم يقف الكاتب عند زيارة نیکسون لمصر كحادث عابر وإنما جسد نتائجها بالنسبة للطبقتين المتصارعتين، كما جسد مقدماتها وأسبابها التاريخية، وبهذا تكون الروایة قد تناولت مصر في مرحلة الانقلاب السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي أحدثه نظام السادات… واتخذ الكاتب لهذه الأحداث مكانا ضیقا هو قرية الضهرية واقفا عند وضعيتها الاجتماعية والحياتية في ظل مرحلة حكم السادات، وعلی ما ألم بالريف المصري، نتيجة تكالب القوي الاستغلالية الداخلية والخارجية المتمثلة في الإمبريالية الأمريكية.

كما تتحدث رواية “الحرب في بر مصر” عن واقعة حدثت في إحدى القرى المصرية، ملخصها أن أحد الشبان الأغنياء تهرب من أداء الخدمة العسكرية، وأدّاها ـ بدلا منه ـ شاب آخر فقير في مقابل مبلغ من المال، ولكن هذا الشاب الفقير قتل في الحرب ـ وهنا حدثت مشكلة من يستحق معاش الشهيد وأوسمته؟ وتحكي رواية “شكاوي المصري الفصيح” عن رجل يحيا في المقابر، عرض أولاده للبيع في ميدان التحرير تخلّصا من أزمته. وقد حول المخرج صلاح أبو سيف الروايتين “يحدث في مصرالآن” و “الحرب في برّ مصر” إلى فيلمين سينمائيين بعد معاناة كبيرة مع سلطة الرقابة…

أما رواية “أخبار عزبة المنيسي” التي تشكل محور بحثنا، تدور أحداثها في عزبة المنيسي قريبة من الضهرية، عمدتها “الحاج المنيسي” الذي يسیطر سيطرة مطلقة على أهل العزبة، اقتصادية واجتماعية ونفسية. وتطرح الرواية فكرة القطيعة التامة بين أهل الريف وبين السلطة العليا بعد الثورة. فلا الإصلاح الزراعي ولا قوانین الثورة استطاعت أن تغير واقع الريف والفلاح المصري.

کل روایات القعيد، إذن، اختارت البيئة الريفية موضوعا لها، وهذا ما يفسر علاقة المؤلف بقرية الضهرية، إنها علاقة حب عميقة، ويقول في هذا الصدد سيد أحمد النساج: “حتى أنه يمكننا الادعاء، بأنه لا يذكر اسم القعيد إلاوتتبادر إلى الذهن صورة قريته (الضهرية)، وقد لاحظ بعض النقاد أن علاقة القعيد بقريته کان لها أثر مباشر على كتاباته…

والقعيد، إضافة إلى انتمائه للريف، فإنه يعرف بأن المجتمع العربي تتجلى طبائعه الأصيلة في الريف، وأن أي تغيير للمجتمع العربي المدني يجب أن ينطلق من الاهتمام بوضعية الإنسان الريفي لأنه هو قوام الوجود الحضاري، وأن قضية الفلاح والأرض هي أساس تحرر المجتمع اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا. فهو لايهدف من خلال ارتباطه بالريف أن يشفق ویعطف على الفلاحين وإنما يرمي أساسا إلى تعرية المجتمع وکشف تفاوتاته الطبقية، ولعل روایته “أخبار عزبة المنيسي” ستكشف لنا رؤيته للريف المصري والكيفية التي يعالج بها قضية الإنسان الريفي.

يتبع

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.