احدث المقالات
Home > الحدث > ملاحظات حول العلاقة بين تمرير مشروع القانون المشؤوم للإضراب وهجانة النقابات

ملاحظات حول العلاقة بين تمرير مشروع القانون المشؤوم للإضراب وهجانة النقابات

بقلم عبد الحفيظ حساني

سأحاول تقديم بعض الملاحظات الأساسية حول مشروع القانون المشؤوم للإضراب بعيدا عن منطق البحث الأكاديمي والنظرة القانونية الجافة، حيث إنه لا يمكننا فصل نقاش المشروع المشؤوم عن نقاش الوضع المأزوم للنقابات ونقاش السياق العام الذي يتوالى فيه الإجهاز على كل المكتسبات…

إن سياق طرح هذا المشروع المشؤوم من جديد في هاته المرحلة السياسية والاقتصادية هو المدخل الحقيقي لتأطير قراءتنا وتعميق فهمنا وإدراكنا لخطورته…

يمكننا القول أن المرحلة تتميز بانتقال الباطرونا والرأسمال إلى موقع السيطرة والهيمنة الكاملة على جهاز الدولة، وتحويل هذا الاخير إلى مجرد دركي حارس لمصالحها وامتيازاتها، وضامن لاستمرار استغلالها لثروات الوطن ونهب خيراته، تحت مبرر نعمة الاستقرار التي ينفرد بها هذا الوطن…

فمنذ تمرير مدونة الشغل وما تتضمنه من المرونة لفائدة الباطرونا، ومرورا عبر ضرب صندوق المقاصة وتحرير الأسعار، والقضاء على أنظمة الحماية الاجتماعية وتخريب صندوق التقاعد، والقضاء على الوظيفة العمومية، وتخريب منظومة التعليم، وسن العمل بالعقدة، و مرورا كذلك عبر الإعفاءات الضريبية المتكررة للباطرونا… تنتهي مرحلة جس النبض بخلاصة واضحة وهي وجود نقابات ضعيفة وهجينة، وحركة نقابية مشلولة وعاجزة، لتأتي مرحلة إعداد كفن الحركة النقابية وحمل نعشها إلى المقبرة بتمرير قانون الإضراب الذي يعتبر ورقة سياسية رابحة في يد جهاز الدولة تستثمرها في هاته المرحلة. 

1) مشهد سياسي هجين و مركزيات نقابية ضعيفة:

لن يختلف إثنان على هجانة المشهد السياسي ببلادنا، أحزاب سياسية / رجعية / إصلاحية / انتهازية تؤثث المشهد السياسي والمسرحية الانتخابية بشعارات واحدة ونكهة واحدة، لا فرق بين اليمين واليسار، الكل يحاول الهرولة إلى قبة البرلمان والحصول على مكاسب ومناصب سياسية وأهداف شخصية، ويدافع على إجبارية المشاركة في “لعبة الديموقراطية”، والكل يشيد ” بالمسلسل الديموقراطي” و بنعمة الاستقرار السياسي، رغم أن فاتورته دفعت من طرف أبناء الشعب الكادحين، ووصلت إلى قرون من السجن وزعت سنوات على المعتقلين السياسيين… بل أصبحت هاته الأحزاب بوقا للدعاية في يد هذا النظام، تجتهد وتتفنن في تلميع وجهه واتهام الشرفاء الذين يفضحون اللعبة بالعدمية…

فمفهوم “السلم الاجتماعي” لم يعد مقرونا بمنطق موازين القوى في علاقة الصراع بين الطبقة العاملة والباطرونا نظرا للتبعية للأحزاب السياسية التي أصبحت متخصصة في صناعة السلم الاجتماعي وضمان استمراره، ضمن توافقات سياسية خارج مصالح الطبقة العاملة.

لقد نسيت هاته الأحزاب الهجينة بسبب حب التسلق الطبقي والريع الذي تنعم به نخبتها، وتذبذب مواقفها، أن دورها التاريخي المفترض هو حماية مصالح الطبقة التي تمثلها، بدل الانسياق وراء الشعارات السياسية للطبقة البورجوازية، وكأن المشاركة في الانتخابات شيء محايد معزول عن الصراع السياسي والواقع الاقتصادي و الاجتماعي…

في ظل هذا المشهد، تحولت النقابات إلى أذرع موازية للأحزاب السياسية، تسخر لخدمة أجندتها وتوافقاتها الظاهرة والباطنة مع التحالف الطبقي السائد، وتستغل الطبقة العاملة اثناء حملاتها الانتخابية بالدعوة إلى المشاركة والتصويت على الحزب السياسي الذي ينتمي إليه الزعيم القائد…

إن غياب الاستقلالية أدى إلى فقدان الثقة في العمل النقابي، وعاملا اساسيا في تلجيمه و تدجينه، وأصبحت البيروقراطية أحد المبادئ الأساسية في التنظيمات النقابية من أجل الحفاظ على الأوضاع واستمرار السلم الاجتماعي المحكوم بالتوافق السياسي.

إن الأحزاب السياسية في المغرب تتحمل المسؤولية التاريخية في خيانة الطبقة العاملة من خلال تشتيت صفوفها وضرب وحدتها التنظيمية واستقلاليتها، وهي التي صنعت البيروقراطية النقابية. فالتعددية النقابية شتتت صفوف الطبقة العاملة وخلقت نقابات ضعيفة وحولتها إلى ملحقات هجينة. 

2) تمرير قانون الإضراب هو بمثابة اصدار شهادة وفاة وإعلان عن نهاية الموت السريري للنقابات:

إن الحق في الإضراب هو السلاح الأساسي الذي تمتلكه الطبقة العاملة للدفاع عن مصالحها الطبقية، والأداة الأساسية للضغط على الحكومة والباطرونا للاستجابة إلى المطالب العمالية، ووقف السياسات اللاشعبية التي تستهدف القوت اليومي لعموم أبناء الشعب، فالدعوة إلى الإضراب تعني تعطيل الإنتاج في المعامل والمصانع و والوحدات الإنتاجية ومختلف الإدارات والمؤسسات والمرافق العمومية، وتكليف الباطرونا والدولة خسارات اقتصادية بهدف إرغامها على الجلوس إلى مائدة الحوار، والعدول والتراجع عن المخططات المعادية لمصالح الطبقة العاملة وتحقيق مكتسبات لصالحها….

فإذا كان الإضراب سلاحا أساسيا في يد الطبقة العاملة، فمن سيحمل هذا السلاح؟ يجب أن نكون واضحين ونطرح أسئلة واقعية قبل الحديث عن قانون الإضراب: هل لدينا نقابات مكافحة؟

في ظل مشهد سياسي هجين يسطير على الحركة النقابية، وكان سببا في إضعاف قوة الطبقة العاملة وتشتيت صفوفها وضرب وحدتها واستقلاليتها بخلق العديد من الملحقات النقابية، وفي غياب البعد الكفاحي المؤطر للعمل النقابي، وغياب رؤية طبقية موجهة للعمل، علينا أن نطرح بعمق سؤال المقاومة والتصدي لهذا المشروع المشؤوم في جميع أبعاده على جميع التنظيمات والمركزيات النقابية…

يبقى من ضياع الوقت والترف الفكري والحقوقي تحليل مضامين هذا المشروع المشؤوم وتقديم القراءات النقدية، اعتمادا على الدستور ومنظمات العمل الدولية والمرجعية الحقوقية، لأن هذا المشروع هو بمثابة مدونة جنائية متكاملة تجرم الإضراب والحق في الانتماء النقابي، مدونة جميع فصولها تكرر مضمون الفصل 288، هذا الفصل المشؤوم الذي يحمي حرية العمل وحرية الباطرونا في نهب خيرات وثروات هذا الوطن. هذا الفصل الفريد الذي يعتبر سلاحا مدمرا للطبقة العاملة عجزت كل التنظيمات السياسية والنقابية والحقوقية عن إسقاطه. إن تمرير هذا القانون هو بمثابة حمل نعش الحركة النقابية إلى المقبرة وإعلان ضمني عن نهاية الموت السريري للنقابات.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.