احدث المقالات
Home > كتاب الحدث > الافتتاحية > الافتتاحية: تقاسيم حزينة على أوتار بلدية وجدة

الافتتاحية: تقاسيم حزينة على أوتار بلدية وجدة

بقلم: عبد المنعم سبعي:

لا زالت قضية الدورة الاستثنائية بجماعة وجدة، وإعفاء رؤساء اللجان ونوابهم تتناسل تفاصيلها وتتوالد تداعياتها، فضلا عن النتائج التي لا يمكن تلمسها في الوقت الحالي، بل سننتظر ربما إلى غاية الانتخابات المقبلة المزمع تنظيمها سنة 2021 لنستخلص الدروس الحقيقية للواقع المترهل الذي تعيشه أحزابنا السياسية، ونتابع تفاصيل انقسامات حزبية، وهجرات بالجملة لأحزاب بعينها. بوادر الانقسامات في صفوف الحزبين الرئيسيين داخل جماعة وجدة باتت شبه مؤكدة، فحزب الأصالة والمعاصرة بوجدة يستنسخ واقع الحزب على المستوى الوطني، بل إن حزب الجرار بوجدة  لقي التربة الخصبة لتنمو هذه الانقسامات وأكثر منها بسرعة فائقة، وحزب العدالة والتنمية لم يعد بوحدة الكلمة ورص الصفوف كما كان من ذي قبل، وربما كانت الرغبة الطبيعية في الاستفادة من الامتيازات، الدافع الحقيقي لما يعرفه حزب المصباح من انقلاب على مبادئ الإخوان ومواعظ الحركة، ولن تنفع معها محاولة الأمانة العامة من امتصاص الغضب بذيوع خبر حل الكتابة الإقليمية كما انتشر بداية هذا الأسبوع. أما حزب الاستقلال الذي لم يستسغ مناضلوه إدانة محاكم جرائم الأموال لرئيس الجماعة عمر احجيرة بالسجن النافذ، فليس بأحسن حال من الحزبين السابقين، وهذا مايظهر جليا من تدخلات بعض المستشارين الجماعيين خلال هذه الدورة الاستثنائية، وخاصة مداخلة حميد بقال رئيس لجنة الميزانية قبل هذه الدورة، عندما طالب بحضور عمر احجيرة لأشغالها، واستحضر تفاصيل المحاكمة التي ربطها بغيابات الرئيس المتكررة، وأكد أن الرئيس ومنذ أن قالت محكمة جرائم الأموال كلمتها بات لا يهتم بشؤون المجلس والمدينة، لذلك سيكون من باب أولى وأحرى من منطق عبد الحميد بقال أن يستقيل عمر احجيرة من رئاسة البلدية.

من جهة أخرى أكدت مصادر إعلامية أن مستشارين بجماعة وجدة استفادوا من منح الدعم المخصص للجمعيات، وهذا ما أثار حفيظة العديد من جمعيات المجتمع المدني التي سارع بعضها إلى رفض المنح الهزيلة المقدمة إليهم من طرف مجلس وجدة.

لقد فاجأت هذه الأحداث عددا من المسؤولين والمتتبعين وآلمت العديد من الشرفاء الذين اعتقدوا أن الواقع السياسي للبلاد يفرض على الأقل إظهار نوع من الغيرة على مصالح المواطنين والمدينة للاستخدام الانتخابي، لكنهم استيقظوا على وقع هزة سياسية ارتدادية تلت هزة الفساد الحزبي المركزي، وأكدت بالملموس على أن عصر تجاهل المصالح العليا للوطن لا زال قائما، كنا نعتقد خصوصا بعد بعض المحطات التي تم فيها إعفاء العديد من المسؤولين، أننا ندشن لمرحلة جديدة يتم فيها تطبيق مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، ونستنير في طريقنا بالتوجهات الملكية من خلال الخطب الأخيرة، بداية بخطاب عيد العرش ووصولا إلى خطاب افتتاح الدورة البرلمانية التشريعية، التي كانت تلمح إلى أن طريقة تدبير وإدارة الأمور ليست على ما يرام، وأن هناك اختلالات في مجموعة من المجالات؛ ما أدى إلى ظهور عدد من المظاهر السلبية أو بعض الأحداث التي أثرت على الاستقرار في بعض المناطق من المغرب. لذلك يجب القطع مع هذه السياسات، ويجب التأسيس لمرحلة جديدة وبلورة سياسة جديدة تقوم على تحديث عمل الإدارة وإعادة بلورة السياسات العمومية وتقييمها، ويجب تفعيل دور المؤسسات الرقابية، كالمجلس الأعلى للحسابات والمفتشيات داخل الإدارات.. إنه صوت الحكمة الذي خلناه يحاول اجتثاث قضايا الفساد الحزبي والإداري والاقتصادي والسياسي. فالفساد لم يعد موضوعا غير قابل للملامسة والمقاربة كما كان يحاول المفسدون الترويج له سابقا، بل تناوله اليوم وأكثر من مرة أعلى سلطة في البلاد، كما تناوله  الشعب المغربي  في أكثر من مرة وطالب بضرورة التصدي للفساد الذي أضاع فرصا مهمة  للتقدم والتنمية والازدهار..ولا شك أن للفساد حصونا وقلاعا كانت تحميه وقد استشرى عبر سنوات طويلة في كل مفاصل الدولة، وسيطر عباد الفساد والمستفيدون من استشرائه على  دواليب مؤسسات مهمة، فللقضية أكثر من جانب وفيها أيضا أكثر من جهة مسؤولة.

كثيرة هي الوقائع التي تتبعها المواطن الوجدي من عمر هذا المجلس بكثير من الذهول والتعجب، فلا هو مطمئن للواقع التنموي للمدينة ولا هو مصدق للأحداث المتضافرة، فبعد انقسام مستشاري البام بالمجلس الجماعي لوجدة بين مؤيد للميزانية وبين رافض لها، وبعد تداول لبعض التسجيلات الصوتية على مواقع التواصل الاجتماعي وبعد البيان المنسوب لرؤساء الجماعات القروية التابعة لعمالة وجدة انكاد عقب ذيوع ذلك التسجيل الصوتي المحموم، وبعد رفع رئيس المجلس الإقليمي لدورته الأخيرة للأسباب التي ذكرها بيان توضيحي لهذا القرار … يبقى المتتبع مشدوها لقوة الانفجارات التي خلفها الفساد السياسي والاداري بالمدينة والجهة.
إن الأزمة الحقيقية في قضية الفساد ببلادنا أنه نشأ في أحضان الأحزاب السياسية، وان هناك جهات تحميه وتغذيه، وأن هذا الفساد امتد إلى جذور المجتمع المغربي وأصبح له أنصار ومريدون، بل أكثر من هذا أن أجيالا من الفاسدين قد تركت هذا الإرث لأبنائها.. فعندما تم توريث الوظائف والمناصب الكبرى وأحاطتها بسياجات منيعة، كان ذلك تأكيدا ودعما لمنظومة الفساد، وعندما أفسدت على البسطاء الانتشاء بوظيفة بسيطة من السلم الثامن أو التاسع، كان ذلك قضاء مطلقا على أي جذوة أمل في الإصلاح، وحين انتقل هذا المرض الخبيث إلى فئات وطبقات اقل مرتبة في الهرم الاجتماعي كان ذلك تدميرا لمنظومة أخلاقية قام عليها المجتمع المغربي.. هذا هو زمن غياب صوت الحكمة  الذي يعانى منه مشهدنا السياسي والإداري وهو مشهد ليس بوسعه أمام خطط المفسدين سوى تكريس الفوضى وصيحات الاحتجاج التي أصبحت عنوانا مزيفا لمطالب التغيير والإصلاح باتجاه الديمقراطية ورفض الاستبداد بينما هي في حقيقتها توفر الأسباب والذرائع لاستدعاء الانضباط الغائب بعد أن تحول المشهد العام إلى ما يشبه الرقص المجنون نتيجة تداخل الأمور وتشابك التعاريف وانفتاح الساحة السياسية على مصراعيها لمن تأهل ومن لم يتأهل. لكن وعي صاحب الجلالة بضرورة القطع مع هذه التجاوزات وحرصه على التأسيس لمرحلة جديدة وبلورة سياسة حكيمة تقوم على تحديث عمل الإدارة وربط المسؤولية بالمحاسبة، قد يجتث مظاهر الفساد من جذوره. وقد يبعد الشياطين من طريق سعادة البؤساء، وحتما فإن الشياطين لا يصنعون السعادة، وأن البؤساء لن يكفوا عن انتظار الملائكة جيلا بعد جيل.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.