احدث المقالات
Home > الحدث > الحدث الجهوي > وجدة في كلمات

وجدة في كلمات

كتبتها: فاطمة الزهراء جرف

 وسط زحمة الحياة يحدث أن أفقد حبل الوصل بيني و بين الكلمات، لكن هذه المرة وجدة تتحرش بحروفي، وتراودها عن بضع أسطر من شغف… لكن كيف لحروفي الثمانية و العشرين أن ترصع فسيفساء من كلمات دقيقة الوصف، حين يكون الحديث عن مدينة بجمال أنثى؟ وليست أية أنثى، بل هي أنثى شرقية استثنائية، تسدل رداء الحياء في وجهك إن أتيتها غريبا، لكنها تتفن في إبهارك بعنفوانها وقلبها النابض بحركة المارة والباعة المتجولين، والأصوات المتضاربة التي تعلو في الفضاء كسمفونية لن يفك شفرة نوتاتها إلا من يتقن الإصغاء… هي مدينة تراوغ فضولك تاركة لك مهمة اكتشافها ببطء، فهي كالقهوة لا تشرب على عجل، ولا تمنحك نفسها دفعة واحدة، بل في كل لقاء لكما تفاجئك بشيء من صفاتها المتمردة حينا، والوديعة حينا أخر، تريك طيبتها في بسمة طفل يشاركك فرحه بلقياك، كرمها في عجوز تمنحك بضع حبات من ”الكعك”، والحكمة في شيخ يقاسمك ذاكرته، و يروي لك عن تاريخ بعيد يراه بمنطق الحنين أمسا قريبا، فلم تعد له علاقة تربطه بالوقت بعد أن سقط في الزمن، غير تلك الساعة الماثلة فوق رأسينا التي تسعى لتذكيره بانسياب الدقائق، وحلول مواعيد الصلاة قبل أن ينتزع منها صوت إمام المسجد المجاور هذا الشرف… مدينة تسكنك قبل أن تسكنها، ولا تعترف بانتماء غير انتماء الروح، تقبل عليك فاتحة بابيها إن جئتها محبا، لكن أسوارها العتية لن تتردد في صد كل من أتاها غدرا… شامخة بمآذنها التي تعانق السماء، و لا تترك للحياة فرصة أن تنسيك ورعها، فهي تذكرك به خمس مرات في اليوم… هي أنثى تعشق النور و الوضوح فحين يرخي الليل ظلمته، تطفئ مباهجها، ولا يغدو لها صوت غير سكون ترفعه بعد صلاة العشاء، و لا ينتهي إلا بفجر يوم جديد.

هي مدينة اعتنقت التميز دينا، كل شيء فيها كما لم تره من قبل، تسرقك أبنيتها، وأنت تتأمل تفاصيلها، فتنغمس في محاولة فهم اختلاف منازلها، وفخامة مساجدها، وتدهشك بلوحة تعايش جاورت فيها بين حبها لنبيين، فشيدت لدين عيسى كنيسة “لويس”، و لدين محمد “فاطمة أم البنين”… تريك أسرارها على قدر نقاء قلبك، لكنها تصادره كضمان عودة إذا ما حدث وغادرتها، فهي في دين الحب لا تعرف الاعتدال، ولا تترك لمدينة غيرها مكان.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.