احدث المقالات
Home > الحدث > الريف في الرواية العربية من خلال رواية “أخبار عزبة المنيسي” ليوسف القعيد (الجزء الثاني)

الريف في الرواية العربية من خلال رواية “أخبار عزبة المنيسي” ليوسف القعيد (الجزء الثاني)

بقلم الدكتور إسماعيل فيلالي

وقد نال الريف السوري نفس الاهتمام من الروائيين السوريين الذين اتخذوا شخصیات رواياتهم الأساسية من الفلاحين الأجراء المحاصرين بقسوة الطبيعة وقسوة النظام والاقطاع. ونذكر من إنتاجاتهم على سبيل المثال لا الحصر “المذنبون”، “الحفاة وخفي حنين” و”الأشقياء والسادة”، ”الفارس زرزور ” و”الياقوتي” و”الصخرة ” لعبد النبي حجازي، و”وردة الصباح” لعادل أبو شنب، وأحزان الرماد” لوليد أحلامي، و”ينداح الطوفان” لنبيل سليمان، و”بقايا صور” و” الياطر” لحنا مينة “، و”يهطل المطر في تشرين” لإبراهيم الخطيب.

واهتمت الرواية اللبنانية هي الأخرى بالريف کواقع مفروض، ومن الإنتاجات التي ألفت في هذا الباب: “فارس أغا” لمارون عبود الذي كتب فيها عن القرية اللبنانية مستوحیا معاناتها في العهد العثماني، ورواية “الرغيف” لتوفيق يوسف عواد، ورواية “طيور أيلول” و”الرهينة” لإملي نصر الله. وقد صورت في هذه الروايات الريف اللبناني بكل مآسيه مع تركيز شديد على وضعية المرأة في هذا العالم الريفي.

أما الرواية السودانية، فقد أولت اهتماما كبيرا للريف، وهذا يرجع بالدرجة الأولى إلى الارتباط العميق بهذا الريف. وقد صوره أصدق تصويرا الروائي الكبير “الطيب صالح” في رواياته الثلاث “موسم الهجرة إلى الشمال”، “عرس الزين” و”بندر شاه”، وعمر الحميدي في روایته “جزيرة العوض”، ومكي محمد علي في “أحزان النهر والغابة “. وقد استطاع هؤلاء الروائيون، وفي مقدمتهم بالطبع الطيب صالح، “أن يرسموا لريف السودان صورة زاهية الألوان، بهيجة الأثر بشكل لم يتكرر في بقعة أخرى على مساحة الوطن العربي، وهذه البهجة تأتي من مقدرة الكاتب علی أن یلتقط من حياة الريف وأخلاق أهله ما هو صميمي في طباعهم، وما هو إنساني في الوقت نفسه”.

على أن الريف في الرواية الفلسطينية يشكل جزأ من خريطة النضال والصمود المستميت، فالروائي الفلسطيني أكد من خلال اهتمامه بالريف حقه في وطنه وعلاقته الحميمية به، سواء كان يعيش فيه أو كان منفيا عنه، ومن ثم غاص في البحث عن صور المعاناة والصمود داخل الأرض المحتلة منطلقا من قناعة إنسانية هي حب الوطن وحب الأرض، ومن الروايات التي اتخذت من الريف بيئة لها: رواية “الكابوس” لأمين شنار، و”نزل القرية غريب” لأحمد عمر شاهين، و”الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل” و”سداسية الأيام الستة” لأميل حبيبي، و” أيام الحب والموت” و” العشاق” لرشاد أبي شاور، و”بیرشوم” لفيصل الحوراني. و”الخيوط” لوليد أبي بكر، و”عصافير الشمال” لعلي حسين خلف، و”تفاح المجانين” ليحيی يخلف. وكل هذه الإنتاجات التي اهتمت بالريف أبرزت مدی الارتباط الوثيق الذي يرقى إلى مستوى التقدير بين الفلاح الفلسطيني وأرضه لأنها تاريخه وحياته. كما أبرزت أن الفلاح هو ركيزة النضال الشعبي في الأرياف الفلسطينية.

بعد هذه الإطلالة المختصرة والمكثفة للإنتاجات الروائية العربية التي اهتمت بالريف، نشير إلى أن الرواية المصرية انطلاقا من خمسينيات هذا القرن کانت مغايرة لمنطلقاتها التي كانت مطبوعة بطابع رومانسي، فسنجد أن الريف في هذه الفترة الأخيرة كان منبعا لإنتاجات جريئة وشجاعة تناولت معظم القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي كان يغلي بها الريف المصري، فارتبط الفن الروائي عند عبد الرحمن الشرقاوي بالريف، وقد ألف فيه ثلاث روایات جادة في مضامينها، مزدرية لكل ما هو سائد ومبشرة لمستقبل أفضل لريف مصر، وهذه الروايات هي “الأرض”، “قلوب خالية” و”الفلاح”، كما ظهر هذا الارتباط بالريف عند عبد الحليم عبد الله في روايته “لقيطة” و”بعد الغروب” و”شمس الخريف”، و”للزمن بقية”، إلا أنه كان أقل وضوحا في طرح قضايا الريف من عبد الرحمن الشرقاوي، كما تجسد هذا الارتباط بالريف في إنتاجات أخرى ك “الخوف” “وقائع عام الفيل” لعبد الفتاح الجمل، و”سلمى الأسوانية” “وهبت العاصفة” لعبد الوهاب الأسواني، و”العطش” و”وراء الشمس” لحسن محسب. نضيف لهؤلاء كما هو معلوم محمد یوسف القعيد بجميع أعماله الروائية. والذي سيكون بروايته “أخبار عزبة المنيسي” موضوع حديثنا.

أمام كل هذه الإنتاجات التي ذكرناها نطرح التساؤل التالي: هل نحن بحاجة إذا أردنا التماس علاقة الرواية بالمجتمع الريفي، وفهم طبيعة هذه العلاقة أن نعود لاستقصاء كل النماذج المذكورة، أظن أن هذا ما يتعذر علينا القيام به لأن الحيز لا يكفي للقيام بهذه المحاولة، كما أن إعطاء صورة شاملة عن كل الروايات التي اهتمت بالريف ليست من أهداف هذا البحث، وقد اكتفينا بتحديد الملامح الكبرى والمميزات التي ميزت الرواية الريفية في أماكن متعددة من الوطن العربي.

فكان المدخل بمثابة رؤية مختصرة أو شبه بيبلوغرافيا للكتابات الروائية التي اهتمت بالريف، عبر الخريطة العربية، دون أن نزعم الإحاطة بكل ما كتب في هذا المجال. وسنحاول في بحثنا هذا التركيز على رواية “أخبار عزبة المنيسي” التي اختارت واقع الريف المصري مادة لها، ومن خلالها سنتعرف على جوهر وحقيقة هذا الريف وأهله المحرومین.

يتبع

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.