احدث المقالات
Home > كتاب الحدث > الافتتاحية > الافتتاحية: دورة وإقالة

الافتتاحية: دورة وإقالة

بقلم: عبد المنعم سبعي:

لا موضوع يستأثر باهتمام الوجديين هذه الأيام مثل موضوع إقالة رؤساء اللجان ونوابهم ببلدية وجدة، وما عاشته الدورة الاستثنائية ليوم الثلاثاء 9 يوليوز 2019 من أحداث تعري واقع العمل الجماعي بمدينتنا. والغريب في هذه الدورة أنها أشرت على تحالف بين أعضاء بالمجلس ينتمون للجرار والمصباح، وشتان بين خطاب كل فريق وممارسته، فلم تعد الصراعات المحمومة التي كانت تشغل بال المواطن المغربي بين الحزبين قائمة بنفس الحدة، ففي السياسة لا شيء ثابت بل كل شيء متغير وفق قاعدة جلب المصالح ودرأ المفاسد عفوا درأ المخاسر، وربما هذا التحالف هو ما سيجر بعض الانقسامات إن لم نقل الوليات في صفوف العدالة والتنمية محليا كما يعيشها الأصالة والمعاصرة منذ ان انقسم مستشاروه بين أتباع الصغير وحواريي بيوي.

وكما كان متوقعا فقد شهدت هذه الدورة الاستثنائية صخبا وصراعا محمومين، بل ورفعت فيه الشعارات والاتهامات ضد رئيس الجماعة وبعض نوابه، ولعل استحضار أربعة ملايير التي كانت موضوع محاكمة رموز كبيرة من المشهد السياسي بوجدة توضح مدى الهيجان والغليان  اللذين وصل إليهما بعض رؤساء اللجان المقالين والموالين لهم، وهو ما سيعمق أكثر الأزمات التي تشكوها بلدية وجدة منذ تشكيل مكتبها سنة 2015، كان من أكبر تجلياتها في الآونة الأخيرة موضوع  دعم الأندية الرياضية والجمعيات الثقافية والاجتماعية،خلال دورة ماي الماضي.

بالتأكيد نحن نعيش اليوم في بلدية وجدة بداية مرحلة جديدة من الاحباط واليأس  بسبب  الوضعية الشاذة التي تعيشها الجماعة الحضرية لوجدة منذ تشكيل مكتبها، وتجلى هذا اليأس في محطات مختلفة، سواء أثناء تشكيل المكتب، أو أثناء المصادقة على مشاريع الميزانيات، وكان  رفض مشروع ميزانية 2017 في قراءتين اثنتين ، الأولى في دورة عادية شهر اكتوبر و الثانية استثنائية في دجنبر الماضي بعد امتناع مستشاري حزب الأصالة و المعاصرة عن التصويت الايجابي و رفض المعارضة ، حدثا انعكس سلبا على الواقع العام الذي تعيشه عاصمة الشرق و الذي لا يختلف اثنان على تفاقمه بشكل مقلق للغاية بسبب تفشي العديد من مظاهر التسيب و الفوضى و التي لم تعد خافية على أحد، و التي من أبرز مظاهرها الاحتلال الصارخ للملك العمومي ، تجاذبات سياسية و صراع فرقاء كانوا الى وقت قريب متجانسين داخل مكتب المجلس بقرار سياسي من المكاتب المركزية لكل من حزبي الجرار و الميزان قبل أن ينقطع حبل الود بينهما ، و الذي كان من نتائجه المباشرة إسقاط ميزانية 2017.فهذه  محطات سوداء في تاريخ هذا المجلس الجماعي لأنها فوتت على المدينة مجموعة من فرص التنمية المحلية، وكرست مظاهر من الفوضى والتسيب لغياب أي وخزة ضمير للقائمين على شؤون بلدية وجدة. تبدو الأحداث أمامنا وكأن هذا المجلس شيء عادى، وأن ما جرى أثناء انتخاب الرئيس ونوابه مجرد عاصفة سياسية عابرة رغم أنه في تقديري حدث ضخم سوف تترتب عليه آثار واسعة إن على مستوى روح الديمقراطية والمشاركة السياسية في الاستحقاقات المقبلة أو على صعيد مصلحة المدينة والسكان…

إن طريقة تشكيل مكتب بلدية وجدة الحالي في بدايته، والمد والجزر الذين عرفتهما المفاوضات والتحالفات الحزبية والإملاءات التي فرضت على أحزاب من مكاتبها المركزية، كانت تحمل من الإشارات ما تؤكد على أن مخاطر كثيرة وصعوبات جمة تنتظر المجلس الجماعي لمدينة الألف سنة، ولعل اندلاع شرارات البيانات منذ نهاية جلسة انتخاب الرئيس ونوابه سواء من حزب المصباح أو حزب الميزان يكبر هذا المعطى بالوضوح اللازم، الكل كان غير راض، فلا حزب الاستقلال قنع بالرئاسة التي لم يكن يحلم بها، ولا حزب الجرار استطاع أن يستسيغ الطريقة التي زهد بها في منصب طالما حن إليه، ولا حزب المصباح كان قادرا على تجاوز آلام الضربات التي تعرض لها.

لا بأس فنحن من أول لحظة مع الإصلاحات وأهدافها، نحن مع الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، نحن مع قضاء مصالح المواطنين في وقتها المطلوب، نحن مع المحاسبة والمكاشفة بعيدا عن أي ديماغوجية، لكننا لسنا ولن نكون مع سارقي الفرح أو الهباشين الأفاكين الذين يغيرون المبادئ والمواقف كما يغيرون جوارب أحذيتهم، لسنا ولن نكون مع النواب الذين يوقعون التراخيص والامتيازات بالمقابل، لسنا ولن نكون مع النواب الذين ينتقون الشركات حسب المصالح الشخصية والعائلية لتفويت الصفقات، لسنا ولن نكون مع من يستثمرون فقر الفقراء والضعفاء لمنافع انتخابية وحزبية، ففي ذلك كله إفراغ للمرحلة من محتواها.

إن هدف الجماعات المحلية في كل الدنيا هي الرفع من مستوى تدبير الشأن المحلي، هي خلق الحلول حيث لا توجد الحلول، هي تحويل المستحيل إلى ممكن، هي هزم الواقع العنيد، هي التحايل على الواقع لخدمة المواطن، لا التحايل على المواطن لخدمة الأنا. أما هدف جل المنتخبين عندنا هي تجنيد الخبرة والكفاءة والتاريخ والمستقبل لبناء مجد وهمي وتشييد منافع زائلة.
الغريب أن من كنا نعتقدهم قادرين على لعب أدوار متميزة في هذه المحطة قد تنكبوا الطريق الصحيح، وزهد جلهم في السياسة الحقيقية، إنهم الطبقة المثقفة، الذين تحول بعضهم إلى ضارب الدف ونافخ المزمار يباركون خطوات الرئيس ونوابه والمستشار ذي النفوذ الواسع، ولا يبحثون سوى عن استفادة أو حظوة أوعلاقة مرحلية، والبعض الآخر تفاجأ من حجم التعفن الذي أصاب جسم جماعاتنا المنتخبة فهجر كل عمل سياسي ونأى بنفسه عن مجال يخاله مجالا للكذب والنفاق لا غير،. فخطاب المثقفين الذين ما زالوا ملتصقين بالعمل السياسي والحزبي لم يتغير فيه أي شيء، فالعقلية واحدة، المدح والتبرير طريقة ناجحة للوصول إلى الاستفادات الشخصية، والعقلية الناقدة التي تبين عظم المسافة بين القول والعمل قد غابت من خطاب المثقفين، كما غابت العقلية المستقلة ذات الصلة بمصالح الناس للدفاع عنها، خطابهم في واد والمواطنون في أودية أخرى. ولعل أبسط حق من حقوق هؤلاء الذين يؤدون وحدهم ضرائب الخيبات والأخطاء هو أن نصارحهم، فقد أنهكتهم  تجارب الفقر والتشرد، والمرض والتهميش وبالبطالة، وحالات الرشاوي والفساد واقتصاد الريع، فليس أخطر من الفقر سوى الاستبلاد.

إن مدينة وجدة لا يمكن أن تقوم لها قائمة إلا إذا شمر أبناؤها الشرفاء عن ساعد الجد وقطعوا الطريق أمام محترفي تجارة الانتخابات، واحتكموا إلى العقل عوض العاطفة لاختيار من يسير بلديتهم، بما يضمن مصالح المدينة وسكانها، وفي انتظار أن يقتنع سكان المدينة أن شرفاء المدينة وحدهم من يمكنهم السير بعروس الشرق إلى شاطئ النجاة دمتم على دورة وإقالة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.