احدث المقالات
Home > الحدث > الريف في الرواية العربية من خلال رواية  “أخبار عزبة المنيسي” ليوسف القعيد (الجزء الأول)

الريف في الرواية العربية من خلال رواية  “أخبار عزبة المنيسي” ليوسف القعيد (الجزء الأول)

بقلم الدكتور إسماعيل فيلالي

مدخل:

إن الرواية إنتاج حضاري بالغ الأهمية، وحينما خلقت کفنّ أدبي، إنما خلقت لتعبر عن التفاعلات الاجتماعية، وتصور التناقضات الفئوية التي عرفتها المدينة الحديثة أصدق تصويرا.فالمدينة، أنتجت الرواية وظلت المستهلك الأساسي لها، إلا أن هذا لم يعد قاعدة مطردة، بل تجاوز الفن الروائي حدود المدينة ليتخذ من الريف والبادية موضوعا له، وبالخصوص في العصر الرومانسي الذي رفع شعار التمرد علی المدينة، وتحبيذ الحياة في أحضان الطبيعة .

ومع هذا الانفتاح على الريف، أتيح للكاتب الروائي، عبر استخدامه لإمكانات فنية وفكرية، أن يعرض لأشياء كثيرة من حياة البشر في هذا الهامش الريفي، ويرصدها بدقة. وقد ظهر هذا في الإنتاجات العالمية التي صورت الحياة في الريف مثل “الأرض” لبيرل باك، و “أرض الله الصغيرة” لأرسکینکالدويك و “نفوس ميتة” لغو غول، و “فونتیمارا” لأنیاتسیوسیلونه، التي تأثر بها عبد الرحمن الشرقاوي في روايته “الأرض” أشدّ التأثر. والجدير بالملاحظة أن النظرة للريف لم تعد رهينة هذه الدائرة الرومانسية، بل ستتوغل في أعماق الريف لتكشف عن حقائقه المستورة بكل موضوعية وواقعية، ولسنا ندري هل من باب الصدفة أن تكون البدايات الأولى للرواية العربية تنطلق من الريف لتصل إلى المدينة، عكس ما حصل للرواية الغربية التي انطلقت من المدينة لتشمل الريف. ورغم هذا الاختلاف في المنطلق فإن الرواية العربية لم تتخلص من تبعيتها الفنية للرواية الغربية.

لقد اهتم الروائيون العرب بالريف کواقع يغلي بأسئلة كثيرة تبحث لها عن إجابات، فلم يتناولوا الريف على أنه عبارة عن بلاد فلاحين، بدو، لا يعرفون شيئا، وإنما على أساس أنه المكان الذي نجد فيه الاستغلال في أبشع صوره، إنه المكان الذي يسلب فيه الإنسان من إنسانيته. إلا أنه سرعان ما انكشفت الحقائق، ووجد الإنسان الريفي نفسه، بأنه مقهور من طرف شرذمة من البشر تحسن المكر والخديعة والاستغلال، وتستعمل إيديولوجية القمع والترهيب من أجل استمراريتها، والحفاظ على مصالحها.

ومن ثم بدأ الصراع بين الاقطاعي المستغـل والريفي المستغل (بفتح الغين).. فالريفي يعاني الأمرين: قساوة الطبيعة من جهة، والاستغلال البشع من جهة ثانية، ولعل هذا كاف لتبرير الاتجاه الذي حددته الرواية العربية حين تناولت الريف كقضية، تشكل بؤرة الصراع بين قوی اجتماعية متناقضة طبقيا، لأن طبيعة المجتمعات العربية خلال مطلع القرن العشرين لم تكن طبيعة مدنية، وإنما كانت شبه إقطاعية، تحتل فيها الزراعة في الريف الركيزة الأساسية للاقتصاد.

إلا أن هذه الرؤية الواقعية للريف سوف لن تتحقق إلا مع بداية منتصف هذا القرن، أما البدايات الأولى التي اهتمت بالريف فكانت في أغلبيتها رومانسية بدءا بـ “الفتى الريفي” 1935 و “الفتاة الريفية” 1955 لمحمود خيرت و “عذراء نشواي” 1956 لمحمود طاهر لاشين، و “زينب” 1912 لمحمد حسين هيكل، و ” الأيام” 1929 لطه حسين و “دعاء الكروان” 1934 له أيضا، و ”إبراهيم الكاتب” 1931 لإبراهيم المازني و “وعودة الروح” 1932، و ”یومیات نائب في الأرياف” 1937 و”حمار الحكيم” 1945 لتوفيق الحكيم، و ”رجل المعجزات” 1948 لمحمد أمين حسونة.

وإذا كانت الريادة مصرية في الإبداع الروائي الذي اهتم بالريف، فإن هذا الاهتمام بالريف اتسع ليشمل العالم العربي بشساعته من المحيط إلى الخليج، فالريف کان حاضرا في الإنتاج الروائي المغربي من خلال “الريح الشتوية” لمبارك ربیع و “بامو” لأحمد زياد، وتم في هاتين الروايتين التأريخ للنضال الوطني لأبناء الريف المغربي من أجل الاستقلال والحرية. كما أن الانتماء القوي للريف ساق الروائيين الجزائريين للاهتمام بحياة أهله ومعاناتهم القاسية، منهم عبد الحمید بن هدوقة في روايته “ریح الجنوب” والطاهر وطار في روایته “اللاز” و “العشق والموت في الزمن الحراشي”.

كما اتخذت الرواية التونسية كذلك من الريف بيئة لها من خلال ما أنتجه عمر بن سالم “واحة بلا ظل” وما أنتجه حسن نصر “خبز الأرض”، وقد صور الكاتبان في روایتهما حالات الإحباط والفقر والبطالة واحترام الصراع الطبقي، ومعاناة العامل الزراعي الأجير في الريف التونسي، وعدّت الرواية العراقية، أكثر وفاء للريف واهتماما به بعد الرواية المصرية، وقد قدم الزجاجي ثبتا بأهم الروايات التي اهتمت بالريف في كتابه “الرواية العراقية وقضية الريف” ك “الخالة عطية” لأدمون صبري و ”قالت الأيام” لغالب عبد الرزاق، و “علل في المجتمع” لعبد الاله المخزومي و “لقاء في الظهيرة” لمرتضي الشيخ حسين . إلا أن هذه الإنتاجات تعاملت مع الريف بتعاطف وإشفاق على وضعية العلاج المزرية، ولم تتعامل معه تعاملا نقديا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.