احدث المقالات
Home > كتاب الحدث > الافتتاحية > الافتتاحية: لا صوت يعلو على صوت المال

الافتتاحية: لا صوت يعلو على صوت المال

بقلم: عبد المنعم سبعي:

لم يعد في الوقت الراهن صوت يعلو على صوت المال، ومنذ سيطرت لعنة المال وحب تكاثره على حياة الناس اختلت موازين الأشياء والبشر وضاعت القيم الأخلاقية والإنسانية التي سادت لقرون خلت وزينت علاقاتنا وتعاملاتنا.. أفسد المال كرة القدم بعد أن كان حلم اللاعب الصاعد أن يحرز هدفا ويهز الشباك ويسعد الجماهير، أصبح حلمه أن يعرض نفسه في سوق النوادي الوطنية والعالمية ويجمع الملايين، وغاب الانتماء للمدينة والجهة والوطن وغابت متعة الفرجة واسم النادي العريق.. كان اللاعب فى زمان مضى يحب فريقه ولا يريد شيئا غير أن يكون مثلا فى العطاء وكان اللاعب ينضم للنادي ويبقى معه إلى أن يجيء وقت حفل الاعتزال  ولكن تحولت كرة القدم إلى تجارة وإلى فن جمع المال، حتى لأنه من فرط  ما تنقل اللاعب الواحد بين مجمل الأندية لم تعد تعرف أصله ونسبه في شجرة الأنساب، عرفنا لاعب أيام زمان مخلصا في انتمائه ووفيا لقميص فريقه لا يغادره إلا إذا خانته لياقته وتقدم به سنه، فعرفنا الزاكي وبودربالة وفخر الدين وداديين من النشأة إلى الاعتزال، وعرفنا الظلمي والحداوي وبصير رجاويين من البداية إلى نهاية المشوار وعرفنا مصطفى الطاهري وحديدي ومغفور والفلالي ومرزاق مولوديين أصلا وفصلا.. وأفسدت لعنة المال أيضا الحياة الفنية، كانت متعة الفنان أن يهز قلوب الناس بمسرحية  أو أغنية  أو لوحة فنية، ومات كثير من الفنانين وهم لا يملكون شيئا وذهب المال وبقيت القيمة والإبداع، ومنذ سادت لغة الفن الهابط غنينا للحمير والماكياج والجعة  ونسينا “القمر الأحمر” و “بقلبي جرح قديم ” و “مرسول الحب”  و”لالة وجدة كيف هبلتني” … وتحولت أسواق الفن إلى تجارة رخيصة فيها العرى والإسفاف وفن المقاولات .. وكانت أحلام كل كاتب شاب أن يقدم مسرحية هادفة و يبدع أدبا جميلا وصحافة راقية وان يكتب شيئا يفيد المجتمع ويعمل على تغييره، ومنذ تحول الإعلام إلى تجارة رخيصة وانتمى إليه كل من لا مهنة له، سادت التفاهات و اتشرت الأباطيل وعاد الجاهل الأمي الذي لا يقوى على تركيب جملة مفيدة من مبتدأ وخبر ينتمي لجسم الصحافة الجهوية والمحلية..  إن انتقادنا لسيطرة المال على حياة الرياضيين والفنانين والمثقفين ليس معناه أن يموت اللاعب أو الفنان جوعا ولكن ألا يكون الهدف هو جمع المزيد من الأموال مع المزيد من التفاهات .. إن مسؤولية الفن أن يرتقى بذوق البشر ويهذبه، ومسؤولية الرياضة أن تسعد المتفرجين وتمنحهم لحظة فرجة راقية، ومسؤولية  الإعلام أن يرفع راية الوعي والفكر والاستنارة، ولكن لعنة المال تسربت إلى حياة الناس وأصبح حلم كل أسرة أن يظهر بين أبنائها لاعب أو مطرب حتى لو نشر الفن الهابط وافسد عقول الناس وفرط فى سمعة ناديه وتاريخه .. وسادت مقولة شعبية بين العديد من الأسر مفادها “إذا لم يحرزها القلم أحرزها القدم”  المال ضرورة ولكن الإبداع الحقيقي مسؤولية .. وكرة القدم ليست شيكات ومضاربات على شراء لاعب ولكنها مسؤولية تجاه وطن، والإعلام ليس سوقا للارتزاق وتشويه صورة المجتمع وإفساد أذواق وأفكار الناس ..

وعلى هذه المبادئ شب جيل من رواد الفن والثقافة والعلم بجهة الشرق، فكانت معدنا خاصا في صناعة المثقفين والمبدعين والسياسيين..لاسيما مغرب ما بعد الاستقلال، حيث راكمت مدينة وجدة والجهة من القدرات الذاتية والجماعية ما يمكن أن نسميه بالخصوصية والتميز في ظل التكامل والوحدة، لقد تخرج من مدارسها عمليا المئات من الأطر والعلماء والسياسيين والاقتصاديين الكبار والمفكرين والرياضيين الذي لا يكاد ينتهي لهم صيت ولا همة، هي مدينة صناعة الر جال الوطنيين، أو هي معمل النخب الذي لا ينقضي ولا تنتهي صلاحيته وأشغاله، لأنها مدينة انغمست في الوطنية وحب الله والوطن والملك منذ زمن طويل، وكانت بوابة المغرب على حدوده الشرقية وحصنا أيضا له من كيد الكائدين، وبهذا يكون المجال واحدا من صانعي هذه المعجزة النخبوية الرائدة في مغرب ما بعد الاستقلال.

ومن جهة أخرى، كان لعامل الوعي بكل أشكاله دور أساسي في خلق هذا التفرد الذي تعد المدينة والجهة أحد روافده ومنابعه، فالعلم والعلماء في الشريعة أولا وفي مختلف العلوم ثانيا كانت ميزة جعلتها فضاء للتنافس بين العائلات المحلية وصنعت في فترة وجيزة من أشخاص بقدرات بسيطة أحيانا أشخاصا بدلوا المسار السياسي والاقتصادي والثقافي للمغرب.

كما أن عنصر الأصالة الذي يحيط بكل شيء في مقاربة اجتماعية منفتحة كان عاملا للتفوق والتفرد، فلا زال أبناء المنطقة إلى اليوم حفاظا لكتاب الله وحريصين على سنة رسوله وعلى النهل من مكارم الأخلاق واتباع سير الصالحين، فتجد العمل بالنيات والكرم وحسن الضيافة ومكارم التعامل والخطاب والكياسة منهجا ودأبا ومسارا.

تضيء هذه الفقرات جانبا من الحياة العلمية والثقافية بحاضرة الجهة الشرقية، كما تعطي صورة واضحة على مستوى تدين مواطنيها، وربما هي الإشارة التي حاول النقيب “لوي فوانو” توضحيها في كتابه “وجدة والعمالة” الصادر في سنة 1912، عندما أنهى الفصل المرتبط بالحياة الدينية بالتعليق التالي:” إن فئة السكان المنضوية في حظيرة الزوايا والطرق الصوفية جد متطرفة في مواقفها وسلوكها، أما باقي الناس فيبدون معتدلين في تصرفاتهم، بالرغم من كونهم لا يتأخرون عن أداء الصلاة بالمسجد”.
ولعل التطرف الذي حاول” فوانو” إثباته في حق الوجديين لا يمكن تفسيره إلا بغيرتهم على دينهم ومدينتهم ومصالحهم ومؤسساتهم السياسية والاجتماعية، وهو ما كان يخيف المراقبين الأجانب، ويعتبرونه نوعا من التزمت والتعصب ومظهرا من مظاهر العداء والنفور من كل ما كان يمثل الحضارة الأوربية الغازية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.