احدث المقالات
Home > كتاب الحدث > الافتتاحية > الدكتور زهر الدين طيبي: تاريخ في النزاهة والحياد وفكر في المشاكسة والعناد

الدكتور زهر الدين طيبي: تاريخ في النزاهة والحياد وفكر في المشاكسة والعناد

بقلم: عبد المنعم سبعي

أحيانا نطلق على ذات الشيء أسماء مختلفة تختلف بحسب الحالات والظروف والوقائع، وهذا هو حال ممارسة الكتابة والإبداع، قد تكون هي التعجل عندما تكون الكتابة مهمة رجل ثوري في جبهة حمراء، وقد تكون هي الإيحاءات وملامسة النص باطنيا وتكون تلك هي حالة الصوفي الذي يدخل مرقصا ليليا كما يدخل زاوية من الزوايا للتعبد، لكتها عند القلائل هي إيمان بفعل التغيير عن طريق الكلمة بل هي ملمح من ملامح صراع الحق مع الباطل، والأستاذ زهر الدين طيبي في اعتقادنا من هؤلاء، فالذين يعرفونه يعرفون دماثته الواضحة وحريريته الأخلاقية ولمسته الإنسانية في علاقاته الخاصة والعامة، غير أن الذين يعرفونه أكثر يهابون صراحته وجرأته في ملامسة القضايا السياسية والاجتماعية بكثير من التوازن والتبصر، وربما هذه الميزة هي التي تفتح عليه أبواب المضايقات، وفي اعتقادنا ما تعرض له الدكتور زهر الدين خلال هذه السنة من محن لا تجانب هذا المنحى بل تعضده وتقويه. ولعل وقوف جريدة الحدث الشرقي على أعطاب جامعة محمد الأول بوجدة من جهة وإبداء نوع من الممانعة مع الحزب الأخير الذي شكل رئيس الجامعة بمقاصاته، كانا كافيين لأن تمارس على مدير نشرها السابق ومؤسسها كل هذا التنكيل على علة أنه ليس ممن يطأطئ رأسه ويمارس الانبطاح كعادة بعض المنابر التي أصابتنا منها نيران ألطف ما توصف به أنها نيران صديقة. إن زهر الدين لا ينظر إلى مصدر هذه النيران كما ينظر متفرج إلى سطح البحر وهو يخال أنه يرى آثار مركبة اختفت وعادت بلا أثر، بل هو حاد الذاكرة وغالبا ما كان يلقننا أن العالم يصبح صغيرا عندما نسلط عليه فيض الماضي، وسيتضح لاحقا في تاريخ القطائع أنه لا يستحم في النهر مرتين وأن الجزر التي قد تبدأ في الظهور وسط بحر الأيام ليست مرافئ لصنع إعلام جهوي حلم به الشرفاء المؤسسون.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

يكاد السيد زهر الدين طيبي يقنعنا بأن الإيمان بالفعل الإعلامي لا يكون حقيقيا إلا إذا كان إيمانا بما بعد الماضي، كأن للأفكار التي توقظها فيه الخرائب، بحجم الأفكار الكبيرة التي تحدث عنها ديدرو:” كل شيء يفني ويتحلل وحده العالم يبقى وما أقدمه”.

 والذي يرى حرص الدكتور زهر الدين طيبي على التأصيل الأكاديمي للفعل الإعلامي والثقافي، قد يعتقد أنه جاء إلى هذا الحقل بدون ماض، والعكس هو الصحيح، وللماضي على حاضره أثار مطبوعة بالثقافة والعلم، وبالقرطاس والقلم، فلا يكون المرء فاعلا في الميدان الثقافي والفكري، إذا لم يعانق نشاطا من هذه الطينة، في سن مبكرة، واعتقد أن سقف الممارسة الثقافية ممثلا في تأسيس جمعيات ثقافة ومسرحية، والإسهام في الكتابات الصحفية، وتنشيط الكثير من الندوات والموائد المستديرة، لم يكن بعيدا عن هامة الأستاذ زهر الدين طيبي.

إن صناعة الاسم الثقافي و الإعلامي للمدير  السابق لجريدة “الحدث الشرقي”جبلت من طينة المرحلة، ومن أجواء الانتماء إلى ثقافة متعددة المشارب، كانت تمتح حيويتها من قداسة المدارس، سواء في مدرسة ابن رشد للبنين، أو إعدادية محمد السادس، أو بثانوية وادي الذهب، تؤشر على تنوعها من رحابة الجمعيات بفضاءات دور الشباب وقاعات العروض المسرحية، وتؤكد على تأصيلها الأكاديمي، من مدرجات كلية الحقوق بجامعة محمد الخامس بالرباط، بموازاة مع فصول المدرسة العليا للأساتذة التقدم.

الأستاذ السابق لعلوم الحياة والأرض، والأستاذ الحالي للقانون بجامعة محمد الأول، يطمح إلى تكبير ميكروسكوبي لخلايا الصحافة الجهوية، عبر انتمائه إلى أفق أدبي تزاري رقيق، وبعقل تجريبي علمي صرف، يجد للمعادلة عناصرها، فخلافا  للطابع التجريبي لعلوم البيولوجيا، لم تكن التجربة الإعلامية مجرد تجارب ورسوم وبيانات على الأوراق، بل كانت رهانا حيويا للخروج من الانسداد الجهوي، إلى شساعة عملية صنع قرار السياسة الخارجية الأمريكية، فكان زهر الدين طيبي المشارك الوحيد من المغرب في برنامج الزائر الدولي للولايات المتحدة الأمريكية، وكان أحد المساهمين في التأليف، وإغناء خزانة العلاقات الدولية.

إن المتتبع للمسارات الإعلامية الموجودة من حياة الدكتور زهر الدين طيبي، يلحظ أنه لم تخطئ أيا من أصناف الصحافة كانت مكتوبة أو مسموعة أو مرئية، فقد كان حاضرا منذ 1990  مع جريدة ” انتر وجدة” ،وكان مديرا منتدبا بجريدة  اسلي سنة 1994، ورئيس تحرير جريدة “الشرق”، ومدير نشر أسبوعية “الحدث الشرقي” منذ سنة 1999، إلى ماي 2019،  كما أعد وقدم برنامجا إذاعيا مباشرا من محطة وجدة بعنوان “قضايا ومواقف”، وألفته الشاشة الصغيرة محللا سياسيا، وناقدا متبصرا، وهو قارئ التعليق لمسلسل علماء المغرب بالأندلس الذي بثته القناة الأولى، ومتعاون مع قناة أبوظبي في برنامج “أبرياء”، وبعد ذلك كله، يبقى الدكتور زهر الدين صاحب برنامج ” قالت MFM الذي أبان عن كفاءة أستاذنا العالية، حتى ذاع صيته في كل  جهات المغرب بنفاذ كلماته إلى القلوب والعقول، وجرأة ملامسته للقضايا المعقدة والشائكة، وربما هذه الجرأة هي التي تحرك بعض الخفافيش في الظلام، لكن تبقى الكلمة سرا من أسرار الله، وسر الله لا يباع ولا يشترى، والله أعلم أين يودع سره.

فألف تحية وتحية  إذن لرجل التوازنات، الذي لا يمكن بيعه وشراؤه في مزاد المسؤولين، رجل سخر قلمه الذي يموت ولا يركع في إيصال أصوات الناس للمسؤولين، لا في خدمة بعض المسؤولين، كما تفعل بعض الأقلام وأخواتها في الاسترزاق و النصب الذي لا يبني به إلا مجد وهمي على أسس هشة، في غياب الضمير والأخلاق

هكذا هو الدكتور زهر الدين طيبي، وعلى هذا المنوال بقي، وسيظل مدججا بأسلحة الشرف والأمانة، في زمن قلت فيه النزاهة، وأصبح فيه القلم الحُر عُملة نادِرَة.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.