احدث المقالات
Home > الحدث > الفضائيات وثقافة العشيرة الإعلامية

الفضائيات وثقافة العشيرة الإعلامية

الدكتور محمد بوالروايح: كاتب وأستاذ جامعي جزائري

يجمع السياسيون والاجتماعيون والاقتصاديون على أن الزمن الذي نعيشه هو زمن التغيير الشامل، وذلك بعد فشل كل النظريات والمشاريع السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي وضعتها بعض “النخب” التي تصف نفسها أو يصفها أتباعُها بأنها ينبوع الحكمة وأنها أجدر من غيرها بإدارة شؤون البلاد والعباد.

إن الفشل الذريع لهذه النخب في هذه المجالات حقيقة لا تقبل الجدل، ولكن التغيير في نظري لا يقتصر على هذه المجالات بل يشمل كل المجالات الأخرى ومنها المجال الإعلامي، فقد ظلت الفضائيات تصدّع رؤوسنا بنقل الأصوات المعارضة من داخل الكيانات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمُطالبة بالتغيير الشامل، ولكن نسي القائمون على هذه الفضائيات بأنهم معنيون أيضا بهذا التغيير وخاصة في ظل تحول بعض القنوات الإعلامية إلى ما يشبه “عشيرة إعلامية” تُدعى لها في الغالب شخصياتٌ محددة وتحضرها وجوهٌ مكررة تحتكر “البلاطوهات” الإعلامية كأنها خُلقت لها وجُعلت خالصة لها من دون الآخرين.

من غير المقبول أن تنتقد بعض الفضائيات المؤسسات السياسية والاجتماعية والاقتصادية لأنها احتكرت المشهد أو تحوّلت إلى ما يشبه المعبد وساست السائرين في فلكها بسياسة “كهنة المعبد” في الوقت الذي نجد فيه هذه الفضائيات نفسها غارقة في تكريس ثقافة “العشيرة الإعلامية” ورافضة للتغيير الذي من مقتضياته تفعيل مبدأ تكافؤ الفرص الذي يتيح لكل الشعب ولكل النخب -من باب أولى- التعبير عن أفكارهم وإيصال كلمتهم إلى الجموع المتحلقة حول الفضائيات.

قد يبدو مصطلح “العشيرة الإعلامية” مصطلحا غريبا لأنه ليس من المصطلحات الشائعة والمتداولة، وأعترف هنا أنه من ابتداعي لأنني لم أجد مصطلحا بديلا يمكنه التعبير عن الحالة التي أتحدث عنها إلا مصطلح “العشيرة الإعلامية” وذلك لأن العشيرة –كما يقول البلاغيون- هي تجمُّعٌ بشري معدود ومحدود يضم جماعة متناسقة ومتناغمة يجمعها الأصل الواحد والمصير الواحد، ولذلك تجدها تنافح وتدافع عن نفسها بكل الوسائل ضد الغارات التي تستهدف بيضتها وتروم تشتيت جمعها.

ماذا يمكننا أن نسمي سلوك بعض الفضائيات في جعل فضائها الإعلامي حكرا أو يكاد على جماعة مخصوصة تُدعى دون غيرها في كل مرة للحديث في اختصاصها وفي غير اختصاصها عن كل حادثة ونازلة فتلبس على المشاهد لما تأتي به من العجائب والغرائب التي لا يصدِّقها عاقل؟.

ماذا يمكننا أن نسمي سلوك بعض الفضائيات في جعل فضائها الإعلامي حكرا أو يكاد على شرذمة قليلة من المتحدثين الذين تُلبِسهم تارة لباس المحللين السياسيين، وتُلبسهم تارة ثانية لباس المؤرخين المتخصصين في تاريخ الحركة الوطنية، وتُلبسهم تارة أخرى لباس المتخصصين في القانون الدستوري، وتُلبسهم تارة رابعة لباس المحللين الاجتماعيين والنفسانيين.. وهلم جرا؟.

ماذا يمكننا أن نسمي سلوك بعض الفضائيات في جعل فضائها الإعلامي حكرا أو يكاد على “شيوخ” اختلسوا وصف “فضيلة الشيخ” وتصدوا للفتوى وهم ليسوا -بإجماع أهل الرأي- من الفقهاء والمفتين ولا يُعرف لهم رصيدٌ من فقه التنزيل وعلم التأويل ولا يُعرف لهم شيخٌ صعودا ونزولا؟.

ماذا يمكننا أن نسمي سلوك بعض الفضائيات في جعل فضائها الإعلامي حكرا أو يكاد على بعض المشعوذين والمتفيهقين الذين يخلطون الأحكام الشرعية بالخزعبلات والترهات والمهاترات الكلامية، الذين يلبسون على المشاهدين -و لو بطريقة غير مباشرة- بإيهامهم بسلطان الجن على الإنس فيصدِّق أكثرهم هذا ويسلمون ويستسلمون وينسون قول رب العزة: “إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين”؟.

ماذا يمكننا أن نسمي سلوك بعض الفضائيات في جعل فضائها الإعلامي حكرا أو يكاد على من يحدث الصائمين في شهر القرآن عن علاقة الجني بالإنسي وعلاقة الإنسي بالجني وحكم صدقة الإنسي على الجني وحكم صدقة الجني على الإنسي، ثم يسمون كل هذا الهراء “نفحات رمضانية”، أي نفحات رمضانية هذه التي لا نسمع فيها إلا حديثا عن المس وسكرة النفس بفعل فعل جني أو عمل سحري يجعل المتوهمين يحجون طوعا وكرها إلى “عيادات” المشعوذين ويضربون إليها أكباد الإبل طلبا للشفاء بأي ثمن؟.

ماذا يمكننا أن نسمي سلوك بعض الفضائيات في جعل فضائها الإعلامي حكرا أو يكاد على من يقرأ الفنجان في مشهد خرافي جاهلي يعود بنا القهقرى إلى زمن الجاهلية الأولى الذي ولى تحت وقع النور النبوي الذي شعَّ في سماء مكة على فترة من الرسل؟.

ماذا يمكننا أن نسمي سلوك بعض الفضائيات في جعل فضائها الإعلامي حكرا أو يكاد على من يحدِّث المشاهدين عن حالات الفساد ويسوق أرقاما خيالية ما أنزل الله بها من سلطان أو يقدم على أنه “خبيرٌ اقتصادي” في حين أن المتحدث المسكين بينه وبين الاقتصاد بُعد المشرقين؟.

ماذا يمكننا أن نسمي سلوك بعض الفضائيات في جعل فضائها الإعلامي حكرا أو يكاد على من يُقدَّمون للمشاهدين على أنهم صفوة النخبة ووعاء الحكمة، تراهم فتعجبك ربطة عنقهم ولكن تسمع لقولهم فتجدهم على ختم الله لا يفقهون كثيرا ولا قليلا من مسائل الدين والحياة؟.

ماذا يمكننا أن نسمي سلوك بعض الفضائيات في جعل فضائها الإعلامي حكرا أو يكاد على ثلة من أشباه المفتين الذين يتصدرون مجالس الفتوى من غير علم ولا هدى ولا كتاب منير في الوقت الذي نجد فيه جيشا من الفقهاء والخبراء المتخرِّجين في الجامعات والمعاهد الإسلامية ينتظرون التفافة من أهل الحل والعقد أو ينتظرون دورهم في التوظيف لتأمين الرغيف كأقرانهم؟.

ماذا يمكننا أن نسمي سلوك بعض الفضائيات في جعل فضائها الإعلامي حكرا أو يكاد على ثلة من المتكلمين الذين لم يمسسهم تغيير ولم يطلهم تبديل منذ عقود وشب على رؤيتهم كل مولود إلى أن شب واشتعل رأسه شيبا؟.

إن سلوكات هذه الفضائيات –و ما ذكرته غيض من فيض- يجعل هذه الفضائيات أو بعضها على الأقل يصدق عليها وصف “العشيرة الإعلامية” إلا أن تغيِّر فلسفتها وتؤمن بأن الإعلام خدمة عمومية وأن المؤسسة الإعلامية متاحة لكل الكفاءات والفعاليات من دون تمييز.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.