Home > كتاب الحدث > الافتتاحية > الافتتاحية: حب في وجدة

الافتتاحية: حب في وجدة

بقلم: عبد المنعم سبعي:

ما بين 18 مارس 2003 و18 مارس 2019، مسيرة ستة عشرة سنة من البناء والتشييد في  جهة الشرق، ومسيرة كبيرة لإعادة الروح إلى جهة ظلت تئن من الموت السريري التنموي، ومن ثم كان سكان المنطقة أكبر من كل النخب التي تصدرت المشهد السياسي منذ استقلال وطننا حتى الآن‏..‏ فالآلاف التي خرجت تستقبل جلالة الملك خلال الزيارة الملكية الميمونة  التي تعدت الخمسة والعشرين زيارة، كانت وثيقة إثبات على حب سكان هذه الجهة لملكهم وتشبثهم بعرش ظل دوما رمزا للوحدة وعزة البلاد. ولهذا لم يكن غريبا أن تشرئب أعناق الوجديين في هذا الشهر الفضيل  تنتظر طلعة جلالة الملك البهية التي لم يعد سكان هذه المنطقة يطيقون طول غيابها، ومعلوم انه حينما خص جلالته هذه المنطقة من ربوع المملكة بأول زيارة في سنته الأولى من اعتلائه العرش ، بدت بجلاء ملامح المنعطف القوي الذي بات يعيشه المغرب عموما والجهة الشرقية على وجه الخصوص، وتعززت تلك الوشائج بين العرش وسكان هذه المناطق، فكانت اللقاءات التاريخية وكانت الاستقبالات الرائعة من طرف سكان هذه الجهة، وكانت البوادر الأولى لتعميق وترسيخ البناء الديمقراطي الذي سيتعزز من خلال بلورة أوراش مهيكلة للحقل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي، وستظل مجمل هذه الاوراش السمة البارزة لعهد جلالته .
توالت الزيارات الملكية للجهة وستكون سنة 2003 سنة الإعلان عن المبادرة الملكية لتنمية أقاليم الجهة الشرقية لتضع كل الزيارات الملكية في سياقها الاستراتيجي والتنموي. لقد تضمنت الخطة الملكية مقاربة تنموية مندمجة، هدفها إعطاء دفعة قوية للحركة التنموية بهذه الأقاليم المحسوبة جغرافيا على الجهة الشرقية وكانت الخطة الملكية المعلن عنها في الخطاب الملكي التاريخي بوجدة يوم 18 مارس 2003 مرافعة تنموية بامتياز واجتماعية بامتياز وجريئة أكثر لأنها عبرت بقوة عن المنظور السديد الذي يختزل كل آليات التنمية الاقتصادية والاجتماعية المتراصة. ولاشك أن هذه المبادرة كانت وصفة الحدس في قراءة اقتصاد جهة حدودية تلبدت مساراته فيما مضى من العقود بالمسكنات التي ما عادت ذات جدوى ولا فائدة. ولا شك أيضا أنها مبادرة انطلقت من رصد موضوعي وواقعي لحال التنمية بالجهة وانتهت إلى تحفيز الاستثمار والمقاولات الصغرى والمتوسطة للشباب، وتزويد المنطقة بالتجهيزات والبنيات الأساسية .

لقد كان هذا الخطاب التاريخي نقطة تحول مركزية في المسار التنموي لجهة الشرق ، لأنه جاء بخارطة طريق وبرنامج عمل للتنمية الشاملة لهذه الربوع، وبالفعل أصبحت الجهة، بفضل الرعاية الملكية، تعرف دينامية حقيقية، ونهضة تنموية بكل أبعادها، يقول صاحب الجلالة: “وتجسيدا لعنايتنا السامية بهذه المنطقة، ذات الإمكانيات الهائلة والمؤهلات البشرية، المتميزة بالإرادة القوية والجدية في العمل، فقد قررنا اتخاذ مبادرة ملكية لتنمية الجهة الشرقية، مرتكزة على محاور أربعة تهدف إلى تحفيز الاستثمار والمقاولات الصغرى والمتوسطة للشباب، وتزويد الجهة بالتجهيزات الأساسية، وإعطاء الأولوية لمشاريع اقتصادية هامة، فضلا عن النهوض بالتربية والتأهيل وتفعيل التضامن، معتمدين آليات للتمويل والمتابعة والتقييم، في التفعيل الملموس لمبادرتنا.
وسعيا منا للتخفيف من بطالة فئات من شباب الجهة ولتوفير وسائل العمل والتشغيل الذاتي فقد قررنا أن تنطلق هذه المبادرة بتخصيص ثلاثين مليارا من السنتيمات تضاف إليها مساهمات عدة مؤسسات، لتمويل مشاريع المقاولات، وضمان القروض الممنوحة لها، على أن يقوم المركز الجهوي للاستثمار بمهمة الاشراف على هذه العملية(…)
وحرصا منا على التنمية المندمجة لهذه الجهة، فقد قررنا إحداث منطقة حرة بالناظور تضم إلى جانب الميناء مناطق اقتصادية وتجارية وصناعية وسياحية مستهدفين من هذا المشروع الهام فتح بوابة متوسطية أمام تنمية الجهة الشرقية، فضلا عن إسهامها في النهوض بالاقتصاد الوطني وتعزيزها للمركب الضخم لطنجة المتوسط، وبذلكم ستكمل مشروعنا الاستراتيجي، الرامي إلى جعل المجال المتوسطي رافعة قوية للإقلاع التنموي الوطني، وللشراكة الاقتصادية والتفاعل الحضري.”
متأكدون أن القرارات الملكية التاريخية التي أعلن عنها صاحب الجلالة في هذا الخطاب التاريخي، أحدثت تحولا عميقا في مسارها التنموي، ومنطلقا استراتيجيا تنمويا لم تشهده الجهة من قبل، ولأنها ترتكز على تصور جديد للجهة كقطب اقتصادي.
وبعد مرور ستة عشرة سنة على هذا الخطاب التاريخي هاهي المبادرة الملكية لتنمية أقاليم جهة الشرق المعلنة في الخطاب الملكي التاريخي بوجدة تأتي بالخير العميم، وها هم سكان المدينة والجهة ممتنون لصاحب الجلالة على هذه الالتفاتة الطيبة الكريمة التي غيرت ملامح مدن الجهة ودبت فيها روح البناء والتشييد، لكن ومع ذلك لابد وأن نعترف بأن أمام الجهة الشرقية تحديات كثيرة وسط سحابات كثيفة من الغيوم التي تحيط بأقاليمها الثمانية، فنحن أمام اقتصاد جهوي مترهل حولها إلى أطلال ربوع  سوف تحتاج زمنا حتى تستعيد نفسها أمام جشع وأطماع لا احد يعرف مداها خاصة أنها تجاوزت حدود السياسة وحساباتها ودخلت بقوة في حسابات الأرض والجغرافيا والبشر.. نحن أمام لوبيات سياسية واقتصادية أصبحت تهدد التاريخ والاقتصاد والماضي والثوابت.. نحن أمام شباب كانت له أحلام كبيرة في مستقبل آمن ومزدهر، هذا جزء من الصورة التي تحيط بنا وإذا لم تكن قاتمة فهي لا تطمئن، وإذا لم يكن المستقبل جزء أصيلا فيها فإنها تهدد الحاضر خاصة أننا لم نعد نملك كل شيء فيه..
إن صاحب الجلالة بمبادرته وخطابه التاريخي والمشاريع المحدثة قد حول وجه الجهة ودب فيها الحياة بعد موت كلينيكي، لكن المسؤولين والمنتخبين بهذه الجهة لم يكونوا في المستوى المطلوب لتثمين المشاريع الكبرى والبحث عن مخارج آمنة للاقتصاد الجهوي وتنمية الجهة وترجمة الفلسفة الملكية الرامية إلى ضمان الكرامة لمواطنيها. فهل من وقفة  لحظة استعداد الوجديين لاستقبال صاحب الجلالة لاستحضار هذه الجهود الملكية لإعادة الروح لجهة كانت تئن من أعطاب عديدة ؟

كانت هذه الأسباب بعضا من المبررات لبقاء سكان هذه المنطقة مخلصين في حب ملكهم ، ولذلك خرج الوجديون، ولذلك سيخرجون من كل فج عميق مهرولين إلي الشوارع التي سيمر منها الموكب الملكي لكي يؤكدوا أن الشعب المغربي كان دوما في مستوى الأحداث التي تطبع تاريخه، والتاريخ وحده سيسجل هذا الوفاء المتبادل وإلى الاعلان الرسمي عن بدء هذه  الزيارة الملكية يبقى الوفاء عنوان هذه المرحلة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.