احدث المقالات
Home > الحدث > الحدث الجهوي > الخط الأحمر: الولاءات بدل الكفاءات أو سياسة صناعة الرداءة!

الخط الأحمر: الولاءات بدل الكفاءات أو سياسة صناعة الرداءة!

زهر الدين طيبي: منذ تسع سنوات كنت قد كتبت مقالا في جريدة الحدث الشرقي عن الرداءة، عنونته: “زمن الرداءة في الجهة الشرقية… هل أصبحت الرداءة هي الأصل والجودة استثناء؟” واليوم وبعد حوالي عقد من الزمن، أجدني أشعر بنفس الإحساس، إن لم يكن بجرح أعمق، لا شيء تغير، وأصبح الوضع يدعو للقلق.

طبعا، نفس الأسباب تؤدي إلى نفس النتائج، ولا يمكننا انتظار المعجزات من نخب وصلت عبر الولاءات الحزبية لأحزاب باتت اليوم في محك المصداقية، بل أنها كانت جزء كبيرا من الأزمة والاحتقان الاجتماعي والسياسي. عندما يتحمل الفاشلون مسؤولية قطاعات على مستويات مختلفة، سياسية، علمية، منتخبة أو إدارية، فإن أول ما يقومون به هو نهج سياسة الولاءات عوض الكفاءات، لخدمة مصالحهم الشخصية ومصالح المقربين منهم على حساب المصلحة العامة للوطن، لهذا تجدهم يسارعون لإقصاء الكفاءات وإبعادها عن محيطهم، خوفا من انكشاف ضعفهم، وأيضا توجسا وخيفة من منافستهم أو تحويل الأنظار عنهم، وأيضا حتى يتمكنوا من استعمال أساليبهم الفاسدة إما في النهب أو تبديد الأموال العمومية، أو استعمال الأساليب الملتوية لتوزيع الامتيازات على المقربين والمتملقين في إطار تبادل المصالح والاستفادة منها.

بداية لابد من الفصل بين الشهادات والرداءة، فليس كل من حمل لقبا علميا يمكن اعتباره كفؤا بالضرورة، وليس كل أمي رديئا بالفطرة، فليس كل من قرأ الكتاب فهيم، ولنا في جهة الشرق نماذج من النوعين. ولكن لا بأس من تعريف الكفاءة أولا، فالكفؤ لغة هو الند المكافئ لنده. أما الكفاءة اصطلاحا: فهي مجموع الصفات، الدالة على مماثلة، قدرة من كلف بمهمة أو مسؤولية، للمهمة التي كلف بها. فهي بذلك الاستعداد الفطري أو المكتسب، لتحمل أعباء مهمة أو مسؤولية، في مجال من مجالات الحياة، وعليه يمكن ربطها بالتدبير الجيد للقطاع، وللموارد البشرية والمالية دون مشاكل، وفي إطار احترام القانون، والنجاعة في إنجاز البرامج والمشاريع وتحقيق قيمة إضافية وطفرة نوعية تنعكس إيجابا على المؤسسة أولا، والمجتمع ثانيا، ويلمسها الجميع.

من المؤكد أيضا أن نجد حالات وما أكثرها في وطننا العزيز، لا تنفع فيها لا الشهادات العليا ولا الدبلومات، ولا تكون فيها التجارب والخبرات هي الأساس الموضوعي لانتقاء هذا المسؤول أو ذاك، وذاك مثال آخر يؤكد أننا نعيش في زمن الولاءات والقرابات والصداقات، زمن أصبحت فيه الرداءة هي الأصل، في كل الميادين.

وعندما يصبح الأمي و المحتال والنصاب صحفيا، و الفاشل والانتهازي، رئيسا لمصلحة خارجية، ومن يحمل خلفه تاريخا أسود في السمسرة والممارسات غير الأخلاقية، مسؤولا عن مؤسسة عمومية أو جهاز منتخب، نكون في زمن الرداءة.. وعندما لا يستطيع المسؤول فك حروف الأبجدية، أو لا يتقن لغة أجنبية واحدة على الأقل، نكون أيضا في زمن الرداءة، وعندما يكون المنتخب جاهلا والمسؤول ضعيفا، نكون في زمن الرداءة، وعندما تتدحرج القيم ويتسلق المتملقون والوصوليون أدراج المسؤولية، نكون في رحم الرداءة، وعندما يتوقف كل شيء دون أن نعرف السبب، وتصبح المؤسسات في حالة غليان وعلى صفيح ساخن، علينا ببساطة أن ندرك أنه حقا زمن الرداءة…

لست ضليعا في كل اللغات الحيوية، لكنني أيضا لست خارجا للتو من كتاتيب محو الأمية… إنني بكل بساطة أمثل المواطن العادي، ولكني أصرح عاليا وبصوت مبحوح من كثرة الصراخ، أني غير راض عما يحدث بجهة الشرق… ما الذي يحدث بهذه الجهة؟ وكيف يتم تعيين المسؤولين بها؟ لا أعتقد أن الكفاءات هي التي تحدد معايير هذه التعيينات، وأكاد أجزم بأن الانتماءات والقرب من الحاشية التي تصنع القرار، أو الولاءات الحزبية ومعها الحفلات والسفريات الخاصة جدا، هي التي أصبحت ترسم معالم التعيينات الجديدة بهذه الجهة، وبغيرها من المدن، أما بخصوص المجالس المنتخبة، فلا أحد يجهل أنها مزايدات في بورصة النخاسة الانتخابية. ليس مهما أن نختلف في الرأي، لأن الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، طالما أن حبل الود لم ينقطع، وليس يهمنا في ظل العهد الجديد أن نبحث عن شكل الماء لإطفاء ما في أنفسنا من حرقة وحريق ملتهب، لكننا قد نصرح جهارا أن بعض السلف رغم عثراته، يبقى أكفأ من الخلف، وأقل خبث منه، على أي حال، فقد تعودنا الرداءة منذ فجر الاستقلال، ولم تكن الجودة عندنا غير استثناء، فالمنتخبون أميون، والمسؤولون سقطوا سهوا على المناصب ونحن هنا قابعون، نتقيأ أحزاننا، ونغادر قاعات الاجتماع إذا تجرأنا، حتى لا نصاب بقرحة لغوية، قرحة ليست كالقرحة المعدية، أو كالمرض الخبيث الذي نستأصله باستئصال العضو، لكنها قرحة دائمة تعكس مرارة المجتمع، وفشل صناع القرار، وقرحة مجد بعض النساء اللواتي استطعن تغيير المسار التاريخي بالجهة، رغما عن أنوف الحاقدين وكل الفاشلين.

ثم نعود لطرح السؤال العريض، لماذا كل هذه المعامل الحزبية التي تصنع الرداءة وتخرج نخبة من الفاشلين، في زمن يعج بآلاف المثقفين الشرفاء، وآلاف الدكاترة المعطلين، وآلاف المجازين البطالين، وآلاف المواطنين الذين لا عزاء لهم سوى أن يقولوا حسبنا الله ونعم الوكيل … ولا نجد جوابا مقنعا غير أنه زمن الرداءة،
لنخلص إذن للقول بأن الكفاءة بهجة الشرق أضحت عملة نادرة، بل تكاد تكون استثناء على مستوى صناع القرار، فنحن نشهد استئصال كل ما يرتبط بها، وتعويضها بكل الفاشلين الذين نكاد نجزم أنهم لم يكونوا ككل التلاميذ النجباء أو كجل المغاربة الذين بدأوا مشوار حياتهم بالكتاتيب القرآنية وأنهوه بالجامعات العمومية.
أعذروني أيها السادة، فإني لا أجد مكانا في مدينة أصبح الوافدون فيها أفشل من حتى في أماكن شتى، وأصبحت فيها المشاريع الوطنية مجرد يافطة تحتجزها بعض الأحزاب وتعلق على أبوابها كل شعاراتها، وتوظف فيها كل مناصريها، وتجرد من فضائها كل من تجرأ على الجهر بالنقد البناء، أما المناصب والتعيينات بها، فهي في حكم المجهول وخلفها جيل من صناع قرار فاشلين…

يؤلمني حقا ما وصلت إليه مدينتي وجهتي ووطني، يؤلمني جدا، أن أجد الرداءة تفرض علينا أشخاصا يشغلون مناصب سياسية في البلاد من السلطة إلى المجالس والبرلمان مرورا بمختلف المؤسسات العمومية والإدارات، وغيرها من المناصب التي تتطلب الوقار والاحترام والحنكة وتتطلب في زمن محاربة الفساد والتفكير في النموذج الاقتصادي الجديد، لاعتماد على الكفاءات بدل الولاءات.
فمتى نتخلص من عقدة الزبونية والحاشية، وكل الأحزاب العاتية والمناصب التي تملأ بالبيروقراطية والمحسوبية؟ وكما قال الإمام الشافعي:

نعيب الزمان والعيب فينا……………. وما للزمان عيب سوانا
ونهجو ذا الزمان بغير ذنب ……………………..ولو نطق الزمان لنا هجانا

والمؤكد أن الزمان سوف يهجونا حتما في القريب العاجل، إن لم يكن كمواطنين، فعلى الأقل كمثقفين أو كبعض أشباه الصحفيين، يأكل بعضنا بعضا عيانا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.