احدث المقالات
Home > كتاب الحدث > الافتتاحية > الافتتاحية: العصابات لا تصنع الأمجاد

الافتتاحية: العصابات لا تصنع الأمجاد

بقلم: عبد المنعم سبعي:

ما تعيشه مدينة وجدة والجهة الشرقية من ركود على كافة الأصعدة والمستويات وما تعانيه من تراجع في نظافتها ورونقها وخدماتها الأساسية يدفعنا للاعتقاد بأن ثمة نوايا من جهات معينة تحاول العبث بمصالح أبناء هذه الجهة وتكرس واقعا تاريخيا ساهمت في بلورته وتشكله مجموعة من العوامل الجغرافية والسياسية.

لقد شكلت الجهة الشرقية و مدينة وجدة على وجه الخصوص منذ نشأتها، حالة غير عادية من حيث الأحداث التي لاحقتها. حيث كانت دوما محط صراع مثير، و تتأثر بالتغيرات السياسية والإقليمية حتى اشتهرت في سالف الأزمان بلقب “مدينة الحيرة”. ففي كثير من المناسبات، تشير الشواهد التاريخية إلى النكبات والمنافسات والصراع والنهب الذي تعرضت له هذه المدينة، كما تشير إلى الحروب المتتالية التي توالت على هذه المنطقة والتي بلغت من العنف والتخريب حتى كادت أن تمحوها من الخريطة. وقد استعملت تعابير جد قاسية في حق هذه المنطقة وفي حق مدينة وجدة، فمن سوء الصدف أن سليمان بن جرير الشماخ الذي اغتال الموالى إدريس الأول والذي فر من فاس في اتجاه المنطقة الشرقية، حاصره مطاردوه على مقربة من وجدة لكنه أفلت من قبضتهم، فألصقت بهذه المنطقة وبسكانها تسمية “النحس”.

وعندما تكلم أبو القاسم الزياني مؤرخ الدولة العلوية خلال القرن 18 عن ولاية وجدة، صاحبها بالنكبة التي وقع فيها عندما كلفه المولى سليمان بولاية المدينة التي قال عنها: “هي في حيز الإهمال ، وأزعجني لها من غير إمهال، فاستغفيته فلم يقبل كلامي، واسترحمته فلم يرحم ذمامي، وخرجت لها في طالع نحس كدر .. فجاءنا العرب من كل حدب ينسلون ووقع الحرب، فانهزم من معنا من العسكر هاربون فنهب العرب ما عندنا من صامت وناطق وصاهل وناهق”. غير أن هذا الواقع البئيس الملتصق بالجهة الشرقية ومدينة وجدة كما التصق بها الجفاف البنيوي، لم يشل أرحام نساء هذه المنطقة من إرواء الوطن بنخب صنعت تاريخا ناصعا من البطولة والشهامة والرجولة.

لقد ظل سكان هذه المدينة والمنطقة يضربون أروع المثل في التصدي للظلم والجنوح للمعارضة، فخلال الفترة الاستعمارية سيقدم سكان هذه الجهة أروع البطولات، وأثناء سنوات الرصاص قدم مناضلو هذه المنطقة تضحيات لازالت المحاكمات وجلسات جبر الضرر تشهد على هذا الوضع، وفي انتخابات 1983 ، ستتربع مدينة وجدة على ثلة من المدن التي استطاع سكانها أن يميلوا مع الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وهو الحزب الذي أبدى معارضة شرسة في تلك الفترة للطريقة التي كانت تسير بها البلاد،  فكانت مدينة وجدة إحدى المدن القلائل التي كان يسير بلديتها مجلس ينتمي أعضاؤه لهذا الحزب، كما أن الانتخابات التشريعية لذات الفترة مكنت مرشحين من الحزب المعارض الاتحاد الاشتراكي من تمثيل سكانها بقبة البرلمان. وأثناء السماح لحزب العدالة والتنمية بدخول غمار اللعبة السياسية، سيمنح سكانها ثقتهم لحزب المصباح المعارض أو هكذا على الأقل كان يتظاهر.. إنها روح الإحساس بالغبن، وسكان مدينة ومنطقة هذا حالها لاشك أنهم يحاولون الظهور بصفة التميز في كثير من المناسبات، وهذا واقع بعض نخب هذه المنطقة، والواقع أن مختلف الدراسات حول النخب الاجتماعية بالمغرب قد أوضحت أهمية الرأسمال الاقتصادي والثقافي والعلاقات الاجتماعية في التشكل الاجتماعي للنخب الحاكمة، فضلا عن ذلك الإلمام العملي بمعايير السلوك والقواعد المطلوبة والمتداولة في عالم النخب وضرورة اجتياز المرشح بنجاح لسلسة مكثفة من الحواجز والمساطر التي يطلق عليها “طقوس العبور”.

وبالنظر إلى الأصول الاجتماعية والخصائص الثقافية لنخب الجهة الشرقية مقارنة مع باقي النخب الأخرى التي استحوذت على مراكز القرار لردح من الزمن غير يسير، يتضح أن فئات اجتماعية متميزة قد فضلت التنحي طوعا إلى أبراج المراقبة والسعي من أجل الاستثمار في مواقع ومجالات أقل اختراقا وأكثر ضمانة ولا تمارس العمل السياسي والحزبي إلا بعد تلقي الإشارات من جهات عليا.

ما أشرنا إليه بالتميز بخصوص أداء بعض نخب الجهة الشرقية لا يسري على كافة النخب المنحدرة من هذه المنطقة، فثمة نماذج من النخب لم يكن همها سوى استغلال مواقعها خدمة لمصالحها الشخصية والعائلية ولم تشذ عن القاعدة العامة للنخب من حيث التشكل والمسير والمصير. والغريب أن الحياة لديها قدرة عجيبة على تطهير الأشياء وفرز البشر.. إن الأنهار تجدد ماءها في مواسم الفيضان..والأشجار تغير أوراقها في مواسم الربيع..والبشر أيضا منهم أشجار فارهة وهناك حشائش متسلقة وفى نهاية المشوار يبقى النخيل نخيلا وتبقى الحشائش سكنا للحشرات.. وربما يكون إحساس أبناء هذه الجهة بالغبن ما يجعلهم يميلون أحيانا إلى العاصفة أكثر من ميلهم إلى العاطفة.

لقد علمتنا تجاربنا في هذه الجهة وتجارب غيرنا أن الناس صنفان أحدهما صنف يتكون من أشخاص يفخر التاريخ بهم، وثانيهما أفراده من أشباه الكهان الذين احتوتهم مزابل التاريخ بكثير من الترحاب، والفرق بينهما هو تمثل الحق والتشبع به،  لأنه لن تتساوى أبدا أياد لوثها الباطل وأياد أخرى كانت من أوسمة الصدق والنقاء .. فرق كبير بين أن تكون مسؤولا أو منتخبا وأن تكون رئيس عصابة ، فللمواطن قدسيته لأنه يحمل روح الوطن بما يعنيه من الأرض والزمن والتاريخ،  أما العصابات فهي جماعة من البشر تجتمع على وليمة حتى وإن كانت مسمومة.. فقد تفرح العصابات حين تقتنص فرصة  أو تصنع مؤامرة أو تنقض على ضحية، ولكن تبقى في النهاية مشروع عصابة، أما الشعوب فهي التي تصنع التاريخ سواء كان معها أو ضدها، ويبقى التاريخ واقفا في محراب قدسية هذه الشعوب راكعا مطأطأ الرأس لأنه يدرك أنه أمام قيم وأمجاد وحضارة.. وفي صفحات تاريخ  هذه الجهة نماذج من المسؤولين الذين أبانوا عن صدق النوايا والإخلاص في المبادئ، كما تزخر بنماذج من العصابات اعتمدت الظلم وجنحت للارتشاء واتخذت من معاكسة مصالح الوطن عقيدة، فالعصابات لا تصنع أمجادا ولكنها تصنع الكوارث والمصائب، أما المواطن الحقيقي فهو الذي يشيد ويبني ويقدم للحياة أجمل ما فيه ويسخر لخدمة الوطن أعظم ما فيه وهو عقله وقلبه.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.