احدث المقالات
Home > الحدث > “المعاناة مع البطالة”.. موضوع إحدى رسائل الممرض سفيان البرنوسي بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للتمريض

“المعاناة مع البطالة”.. موضوع إحدى رسائل الممرض سفيان البرنوسي بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للتمريض

بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للتمريض الذي يتزامن و الـ 12 ماي من كل سنة، نقدم إحدى رسائل الممرض سفيان البرنوسي، وهي تحت عنوان “المعاناة مع البطالة”..

صديقي العزيز:

قبل البدء في الإجابة عن رسالتك، أود أن أعتذر لك على تأخري الخارج عن إرادتي في الرد عليها بسبب كثرة مشاغلي في الآونة الأخيرة. ومنذ أن قرأتها في الأسبوع الماضي استأثرت بكل اهتمامي، واستحوذت على معظم تفكيري. ليس فقط بسبب حماستك التي أشاطرك إياها، وإنما أيضا لكون الموضوع الذي أثارته رسالتك وهو “بطالة الممرض وتقني الصحة” يكتسي أهمية كبيرة بحكم الدور الرئيسي الذي يلعبه الممرض وتقني الصحة في الحفاظ على الأمن الصحي من خلال الاستجابة لمتطلبات المنظومة الصحية في شقها المتعلق بالعلاجات التمريضية المقدمة للمواطنين في شتى بقاع العالم.

إضافة إلى ذلك، لقد استثارت قصة معاناتك مع البطالة مشاعري، لأنني تذكرت من خلالها نفسي، حيث قاسيت من هذا الأمر بعد التخرج من معهد التمريض آنذاك، وكيف أنني أفرغت جهد استطاعتي في البحث عن مخرج من الأزمة، وتمكنت بعد مرور خمس سنوات من العمل في أسلاك الوظيفة العمومية بعد تدرجي في العديد من الوظائف، البعيدة كل البعد عن مجال تخصصي (نادل مقهى، حارس أمن خاص بإحدى المؤسسات التعليمية الخاصة…)

لا أخفيك، صديقي العزيز، أنه كثيرا ما كانت تراودني فكرة الكتابة في هذا الموضوع نظرا للأهمية الجوهرية التي يكتسيها، طمعا في أن يحظى الأمر بالأهمية التي يستحقها، ولفت أنظار متتبعي الشأن الصحي بالبلاد في أفق حل المشكل، أو على الأقل التقليل من حدته في إطار الدفاع عن الحق في الصحة كأهم حق من حقوق الإنسان، وبالتالي تحقيق الهدف الثالث من أهداف التنمية المستدامة من جهة، ومن جهة أخرى نظرا لخطورة بطالة الأطر التمريضية، التي تدخل في فئة حاملي الشهادات خريجي المعاهد والمدارس الوطنية، على النسيج الاجتماعي باعتبار دور الممرض وتقني الصحة كصمام أمان داخل المنظومة الصحية في شموليتها، وبالتالي ما يترتب عن الخصاص المهول في الأطر التمريضية على قطاع إجتماعي يتزايد الطلب عليه بازدياد النمو الديموغرافي وظهور تحديات جديدة متعلقة بالأمن الصحي للدول.

قد لا تختلف معي بأن البطالة من المشاكل التي تواجه المجتمعات، خاصة النامية منها كالمغرب، وهي تعبر عن عجز حكومي وتراجع في الاقتصاد والبنى التحتية والضعف المستشري في أوصال القطاع العمومي بسبب محدودية الميزانية العامة وثقل المديونية، الشيء الذي أدى إلى تراجع دور الدولة في التنمية والإستثمار، ما يحد من الدور الديناميكي للدولة في الاستخدام الكامل والأمثل لمواردها، ويحللها تدرجيا من التزاماتها الاجتماعية في ما يخص خلق مناصب الشغل. وفي ظل هاته الوضعية أضحى شبح عطالة الشباب حاملي الشواهد والأطر خريجي المعاهد والمدارس الوطنية يلقي بظلاله على الهيئات المسؤولة على التشغيل، إذ أصبحت عطالتهم تشهد تصاعدا تدرجيا مخيفا، وهو ما يتطلب الإنكباب الجدي من أجل إيجاد خيارات عملية وإيجابية في اتجاه خفض معدلات البطالة في صفوفهم، من خلال وضع استراتيجيات تنموية طويلة المدى تعكس أماني المواطن المغربي في الرفاه والتقدم من جهة، وتحفظ السلم الاجتماعي للبلاد من جهة أخرى.

ولكي لا نبتعد، صديقي العزيز، عن لب رسالتك، والتي تهم بالأساس فئة معينة من نسيج الأطر خريجي المعاهد والمدارس الوطنية، فالدور الجوهري الذي يلعبه الممرض وتقني الصحة من خلال اضطلاعه بمهام رئيسية داخل المنظومة الصحية الوطنية، استنادا لمعطيات المنظمة العالمية للصحة (بحيث أنه يقوم بتقديم أكثر من 80% من العلاجات المقدمة في المؤسسات العمومية الصحية بالإضافة لخدمات حفظ الصحة العمومية، وأعمال البحث والخبرة والابتكار في مجال علوم التمريض في أكثر من تخصص كالقبالة والصحة النفسية…، ويشكل أكثر من 50% من مجموع العاملين في المجال الصحي)، يجعل من عطالته كارثة وجب التصدي لها بحزم من طرف الحكومة، في ظل منظومة صحية تعاني كثيرا من نقص حاد في الموارد البشرية مقارنة مع دول قريبة جغرافيا تحقق الحد الأدنى من الخدمات الصحية لمواطنيها، فعلى سبيل المثال نجد أن كثافة الأطر التمريضية بالمغرب هي أقل من ممرض واحد لألف نسمة !! مقابل 3 ممرضين لألف نسمة بتونس والأردن والجزائر، و 9 ممرضين بفرنسا. ولا يتجاوز عددهم في القطاع في كل التخصصات 30 ألف ممرض، مع العلم أن هذا العدد لم يرتفع منذ 1993 إلى يومنا الحالي، في مقابل ارتفاع الطلب على العلاجات التمريضية بحكم النمو الديموغرافي وارتفاع عدد المراكز الصحية والمستشفيات والمؤسسات الأخرى التي يضطلع فيها الممرض بمهام داخلها، وظهور تحديات جديدة تهدد الأمن الصحي، مع ظهور أوبئة وآفات جديدة وازدياد حدة الكوارث الطبيعية. بل إن عددهم في تناقص مهول بفعل التقاعد والهجرة بحثا عن آفاق أخرى، والوفاة (840 ممرض غادر القطاع في ثلاث سنوات 2011- 2014)، وغيرها من عوامل المغادرة، في مقابل عدد ضعيف وغير كاف من الملتحقين لتجاوز العجز الحاصل. وقد قدرت مصالح الوزارة الخصاص في عدد الممرضين وتقنيي الصحة بين 6 ألاف و15 ألف ممرض. إلا أن العديد من المهتمين بالشأن التمريضي لا يستوعبون الكيفية التي تم بها تحديد رقم الخصاص مادامت بعيدة كل البعد عن الإحصائيات الخاصة بدول قريبة جغرافيا (التي تحقق الحد الأدنى من الخدمات التمريضية لمواطنيها)، ويقدرون الخصاص في الأطر التمريضية في 70 ألف ممرض وتقني الصحة، علماً أن عددهم لا يتجاوز 9 ألاف ممرض وتقني صحة معطل!! ما جعل منظمة الصحة العالمية تصنف المغرب ضمن 57 دولة تعاني من نقص حادّ في الموارد البشرية خاصة العاملين في التمريض والقبالة.

كل هاته المعطيات لها تأثير كبير على القطاع الصحي عموما، والخدمات المقدمة للمواطن خاصة، لا من حيث الجودة أو الكم. فكيف لممرض وحيد في مصلحة طبية استشفائية أن يستجيب لمتطلبات أكثر من 50 مريض؟ في حين أن المعدل المطلوب هو ممرض لكل 4 أو ستة مرضى على الأكثر !! وكيف لممرض وحيد يعمل في أقاصي الجبال دون أدنى شروط الممارسة أن يُفَعِّلَ وحدات التلقيح وتتبع الحوامل والأمراض المزمنة والعلاجات التمريضية؟ بالإضافة للتنقل بين الدواوير البعيدة عن المركز التي تنعدم فيها مراكز صحية للقرب؟ اذكر لك هاته الأمثلة على سبيل الذكر لا الحصر، فلا تخلو مؤسسة عمومية صحية من مشكل قلة الأطر التمريضية.

هذا الفراغ والضعف في توفير العدد الكافي من الممرضين وتقنيي الصحة، ينعكس سلبا على القطاع الصحي ككل، فالعديد من المستشفيات تضطر إلى إغلاق أحد الأقسام أو المصالح، أو تجميع مصلحتين أو ثلاثة في واحدة وإسنادها إلى ممرض وحيد، أو الاستعانة بالمتدربين لسد حاجيات المصالح والأقسام وتأمين استمرارية المرفق العام في تنكر تام للضوابط القانونية المعمول بها. دون أن ننسى المجال القروي المتسع الانتشار، والذي يعاني من نقص في الاستجابة لبرامج التلقيح وتتبع الحوامل والأمراض المزمنة، وما له من نتائج على صحة المواطنين خصوصا في ظل بعد المراكز الحضرية المتخصصة منها.

وفي ظل هاته الوضعية القاتمة، يعاني الممرضون وتقنيو الصحة الممارسون من ضغط العمل في غياب التحفيز اللازم، وما يترتب عن ذلك الضغط من انتهاكات لكرامته من خلال الاعتداءات الجسدية المتكررة التي تزداد وتيرتها يوما بعد يوم، في غياب أي حماية من طرف الإدارة طبقا لفصول النظام الأساسي للوظيفة العمومية، أو من خلال تعرضهم لشتى أنواع الأخطار المهنية جراء قيامهم بعدة مهام في آن واحد. وما يزيد من معاناتهم غياب التجهيزات الكافية اللازمة للاستجابة لمتطلبات المواطنين، ليصبحوا معلقين بين مطرقة قلة الموارد البشرية وسندان غياب التجهيزات الكافية. كل هاته العوامل تجعلهم يفكرون في الهجرة بحثا عن آفاق ومستقبل أفضل في ظل المغريات المادية والتشريعات التي تحميهم وتقدم لهم أفضل ظروف للممارسة السليمة للمهنة. بالإضافة إلى التفكير في الاستقالة من أسلاك الوظيفة العمومية جراء كثرة الضغوط وغياب التحفيز، خاصة في فئة النساء، مما يزيد من تفاقم مشكل قلة الأطر، ويزيد طين الخدمات المقدمة بلة.

وأخيرا، يطيب لي أن أحيلك إلى استنتاج خلص إليه عدد كبير من متتبعي الشأن الصحي، والذي يؤكد على أن القطاع يلزمه عمل كبير على المستويين المتوسط والطويل بعد أن تشحذ العزائم، وتتغير العقليات، وتتحد مكوناته، في سبيل تطوير العرض الصحي عبر تطوير مكوناته الأساسية: موارد بشرية أو مالية، تدبير وترسانة قانونية.

دمت بود.

سفيان البرنوسي: فاعل نقابي وسياسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.