احدث المقالات
Home > الحدث > الحدث الجهوي > الخط الأحمر: التهمة مدير النشر، الجريمة فضح الفساد

الخط الأحمر: التهمة مدير النشر، الجريمة فضح الفساد

يكتبها الدكتور: زهر الدين طيبي

لأول مرة منذ تأسيس أسبوعية الحدث الشرقي، وبعد عشرين سنة من الإصدار الأسبوعي المنتظم، وبعد 994 عددا، أنزوي اليوم للكتابة دون قبعة مدير نشر في هذا العدد الاستثنائي الذي يحمل رقم 995 من هذا المنبر الإعلامي.
جريدة الحدث الشرقي حملتها مولودا صغيرا وجديدا بين أضلعي، رفقة جيل من الزملاء في مهنة المتاعب، منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر. منذ الثالث من أبريل سنة 1999، كان المولود يكبر كل أسبوع ويرفع تحدي الهوامش والبعد عن المركز في غياب مطابع، وفي غياب الدعم وشح الإشهار. واستمر التحدي لعشرين عاما، في فضح الخروقات وكشف الفساد، رغم الصعاب والمعاناة وكل أشكال التضييق، وظل البعد الوطني حاضرا، حتى يعرف الرأي العام كل حدث.
ولأنني مرتبط مع القراء، بعقد أخلاقي منذ البدء، وتجنبا لكل غموض، لابد من شرح أسباب النزول.
هي في واقع الأمر ظرفية دقيقة، فرضت ولو مؤقتا أن أتنازل عن إدارة نشر الجريدة، ولكن دون النزول من السفينة. وإن كان ما يحز في نفسي أن يحدث هذا الأمر، في وطن أعتز بالانتماء إليه، رغم أنه لم ينصف أبناءه، وطن يتم فيه الكيل بمكيالين، وتدافع فيه المؤسسات عن المفسدين لتصبح الصحافة تهمة وجريمة، وتتم محاصرة حرية التعبير متى كان هذا التعبير لا يعرف التبرير والتمجيد والإشادة والمدح والتسبيح لكل مسؤول فاشل. ولأني أؤمن أن الكلمة الحرة هي الأصل، وأن الإعلام هو حارس الديمقراطية من الاختلالات، كان لزاما أن أختار موقعي الاعتيادي بين المدرج والجريدة والمحكمة، حتى أعلن للجميع أني أرفض الدخول في إعلام النفاق الجماعي والاجتماعي الذي يصبح فيه الخطاب الإعلامي بدون معنى ولا جدوى.
ولأن البعض تزعجه كتاباتنا وخطنا التحريري، ولأنهم لم يستطيعوا شراء الأقلام، اهتدوا إلى فكرة المنع المقنع، بدعوى الجمع بين مهنة الصحافة ومهمة أستاذ جامعي، وكأني خارج للتو بهذه الصفة، وأنا الذي أفنيت عمرا في الوظيفة العمومية تجاوز ثلاثة عقود، وأكثر من عقدين كمدير نشر لهذه الأسبوعية، التي انتقدت حكومات ووزراء وولاة ومسؤولين كبار في إطار النقد البناء.
ولم يشفع لي في وطني أن كل ما أقوم به يندرج في إطار حرية الفكر والرأي والتعبير وحرية الإبداع والنشر التي يكفلها الدستور، حيث ينص الفصل 25 من الدستور المغربي في الفقرة الأولى على أن “حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها.” ويؤكد في الفقرة الثانية من نفس الفصل أن “حرية الإبداع والنشر والعرض في مجالات الأدب والفن والبحث العلمي والتقني مضمونة.” كما أن الفصل 28 من دستور المملكة يؤكد صراحة بأن “حرية الصحافة مضمونة، ولا يمكن تقييدها بأي شكل من أشكال الرقابة القبلية. وأن للجميع الحق في التعبير، ونشر الأخبار والأفكار والآراء، بكل حرية، ومن غير قيد، عدا ما ينص عليه القانون صراحة.” كما ينص الفصل الخامس عشر (15) (غير بالمادة الأولى من القانون رقم 05-50 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 10-11-1 بتاريخ 14 ربيع الأول 1432 (18 فبراير2011) : ج. ر. عدد 5944 بتاريخ 15 جمادى الآخرة 1432 (19 ماي 2011) ص 2630) على ما يلي: “مع مراعاة الأحكام التشريعية المنافية الخاصة ببعض الهيئات، يمنع على الموظف أن يزاول بصفة مهنية أي نشاط حر أو تابع للقطاع الخاص يدر عليه دخلا كيفما كانت طبيعته، تحت طائلة المتابعة التأديبية، باستثناء: -إنجاز الأعمال العلمية والأدبية والفنية والرياضية، شريطة ألا يطغى عليها الطابع التجاري. ولا يجوز للموظف المعني أن يذكر صفته الإدارية بمناسبة نشر أو عرض هذه الأعمال إلا بموافقة رئيس الإدارة التابع لها، …” ويبدو واضحا من خلال هذا الفصل استثناء الأعمال العلمية والأدبية والفنية والرياضية، من الأنشطة الحرة، ولا يمكن للعمل الصحفي إلا أن يندرج ضمن هذا الاستثناء الأول. أما بخصوص الأحكام التشريعية المنافية الخاصة ببعض الهيئات، والتي أشار إلي مراعاتها الفصل 15 من الظهير الشريف رقم 1.58.008 الصادر في 4 شعبان 1377 (24 فبراير 1958) بمثابة النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية حسب ما وقع تغييره وتتميمه، وفيما يرتبط بمدير النشر، فإن القانون رقم 88.13 الذي يتعلق بالصحافة والنشر بالمغرب أشار إليها في المواد 15-17 و 18 من الباب الثاني في إدارة النشر، وبخصوص حالة التنافي، فإن المادة 18 تحصرها في حالة واحدة هي العضوية في الحكومة: ” تتنافى مهمة مدير النشر مع العضوية في الحكومة، وتعين المؤسسة الصحفية مديرا جديدا للنشر في حالة إذا ما تم تعيين مدير النشر عضوا في الحكومة….”
والأدهى والأمر أن عددا كبيرا من الأساتذة الجامعيين يديرون بدورهم نشر مجموعة من الجرائد اليومية والوطنية والحزبية، ويوجدون في نفس الوضعية، ولم يفرض عليهم التشطيب على أسمائهم من مهام مديري النشر، لأن الأصل هو أن يكون الأستاذ الجامعي كذلك، ولا وجود لحالة التنافي، وربما أيضا لأنهم يتوفرون على مظلات لا تتوفر لأمثالي، وهذا دليل آخر على الانتقائية والشطط والكيل بمكيالين، لأنه كما قال مونتيسكيو “القانون يجب أن يكون مثل الموت الذي لا يستثني أحدا”. على أي حال يبقى اللجوء للقضاء هو الأسلوب الحضاري.
الخلاصة هي أني مجددا، وبهامش حرية أكبر، تلوح لي الكلمات على خريطة هذا المنفى الإعلامي الاختياري، ولا يبدو لي غير هذا الملجأ الصغير في هذه الزاوية الحمراء الجامحة، قبل أن يبحثوا عن تهم جديدة تمنعني من الكتابة.
أهرول هذه المرة ليس ببعض فرضيات السقوط، ووجع الهزيمة ولا باحتمالات الخيانة من طرف بعض الزملاء… أهرول هنا لاستشراف فصل جديد من عمر أسبوعية الحدث الشرقي التي أطفأت الشهر الماضي شمعتها العشرين، أحاول أن أكتب للمناسبة، وقد تكلست أصابع الكتابة، ولف حزام الهزيمة قلبي، وأصبحت كل عصافير الحرية غير قادرة على استعمال أجنحتها دون تأشيرة هذا المسؤول أو ذاك، أحاول أن أتناول فنجان قهوتي المعتاد بعد الإفطار قبل أن تصادر الوزارة البن، وأفسح المجال واسعا لدموعي قبل أن تفرض ضريبة على الدموع، بعد المناظرة الثالثة للجبايات. أحاول أن أكتب بعض العبارات وأنا أعلم اليوم أن الورود لا، ولن تنتصر على هراوات رجال الأمن، والمكتبات لا، ولن تنافس مصانع الأسلحة، والمشاعر الانسانية قد أضحت قطع غيار تباع في أسواق النخاسة بالجملة، وتصنع في مصانع بالجملة كما تصنع الأحذية.
لقد سرقت قوى الفساد وطننا، ووضع مهندسوها مع كل جدار مخبرا محترفا في عصر الوشاية والارتزاق. فماذا عسانا نفعل؟ هل نعلن استقالة الأقلام والأوراق في هذا الزمن الغارق في عبادة الأموال؟ أم نواصل الجدف بعدما أصبحت البطولة كذبة عربية وأصبح المسؤول الرديء لا يفرق بين الحدائق والمزابل…
أقلام تبيع نفسها في سوق النخاسة الإعلامية، وماذا عساي أفعل للتخلص من وجع الهزيمة في هذا الزمن الرديء؟ هل أصرخ في الناس معلنا استقالة القلم؟ أو أتجه نحو الكتابة علها تحميني من جنون البرد والتهور، وتقيني من أسنان عاصفة الخيانة في زمن أصبحت فيه الكتابة مجرد آلة بيان، وأكثر ممارسيها يجهلون أصول ومبادئ العزف، ولا غرابة أن أنزع أقنعة ما يجري بأعماقي، لأتساءل بصيغة الجمع هذه المرة، هل نحن سعداء بالرحيل من الهزيمة إلى الهزيمة، ومن جنون الديكتاتورية إلى هوس النزعة التطرفية والتفرقة؟ أجهزة الاستخبارات لم تعد في حاجة لأن تطلب منا مفاتيح أحزاننا، فهي أصل أحزاننا بالرغم من كونها ترفض عادة الإعلان عما تخطط له في مصيرنا … هل نندب حظنا بالمناسبة، أم نعلن أحزاننا كأحزان البلابل، أحزان سعيدة، وقد أصبحت مساحة أحزاننا أكبر من مساحة الكلام، وإن كانت حالة في الحزن نادرة تجعلنا في مثل هذه الذكريات وعوض الاحتفال بنشوة الاستمرارية على قيد الكتابة والإصدار، نستل سكاكين الجنون، وليس لجنون المظلوم حدود … ولا لاكتئاب المغبون ضفاف… قد نعاود التسكع كل عام بين فنادق الأحزان قبل أن تصدمنا أسئلة عريضة، لماذا نحاول تنظير الكتابات وليس على كوكب الكلمات قاموس جديد، لماذا نتفنن في ممارسة الخطابة من خلف المكاتب أو فوق السرير؟ لماذا نريد أن نتسيس ونتثاقف حين لا يبقى هناك مجال لأي كلام مفيد؟ صحيح أننا عندما نكتب نحاول التخفيف من فوران دمائنا المحمرة خجلا من وجع الهزيمة ونخرج الكلمات كي نتنفس بعض الهواء النقي قبل أن تتسلل عائدة للاختباء… لكن هل أحيلت خيولنا على المعاش في زمن الفساد، وصار صهيلها مستقيلا؟ هل باتت سحب سمائنا لا تمطر وأحلامنا مستحيلة، هل أصبحت ليالينا بدون قمر، وأشجار صحارينا بلا ثمر، وأبار خلجاننا بلا نفط؟
اعذروني أيها الزملاء إن نسيت في خضم الكتابة الذكرى والاحتفال، سامحوني إن نسيت أن أشكركم وأنا الممتن لكم ولكل جهودكم ومعكم كل قراء الحدث الشرقي طيلة عقدين من العمل الدؤوب في هذه الجريدة التي تطرق باب الجهوية بكل عزم وإرادة لتشارك من زاويتها بقسط في الفعل التنموي… حقا إنه الرحيل نحو فضاء الهزيمة بعيدا عن عصبية المزاج، والكتابة فوق الزجاج. اعذروني أيها السادة إذا تورطت بالدخول في غابات مفسدين تعودوا ارتداء زي الجمال في وسط قبيح، وزرع الزهور في مدن الصفيح، وانتظار جداول ماء في تل شحيح. فقد أضحت كل الكتابات لا تحترم المقاييس، بل أصبحت من غير تاريخ وحطبا يحاول أن يؤجل موته في مدفأة الرداءة.
سامحوني إن قررت أن أعلن اليوم استقالتي، وأترك الجريدة أمانة لكم أيها الزملاء، فأنا متأكد وكلي ثقة بأنكم سوف تحملون المشعل وتستمرون على قيد الكتابة، تدافعون عن المصالح العليا لهذا الوطن ضد كل أشكال الفساد والمفسدين.
كل عام والحدث الشرقي على قيد الكتابة، كل عام وجميع الزملاء من مراسلين وصحفيين ومتعاونين وقراء ومتعاطفين بكل خير، وعلى درب الاستمرارية نضرب موعدا جماعيا…وألف شكر لتضامنكم أيها الأوفياء.
آخر الكلام، هذا جهدكم، فشكرا لكم، وشكرا لمن منحني هامشا أكثر من الحرية لرفع التحدي ضد الفساد. إنها زاوية للتحدي وليس البكاء، فانتظروني بشكل مغاير ابتداء من اليوم، لأن الحرب ضد الرداءة والفساد لم تبدأ بعد، حتى تنتهي…

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.