احدث المقالات
Home > كتاب الحدث > الافتتاحية > الافتتاحية: رمضان بالأبيض والأسود

الافتتاحية: رمضان بالأبيض والأسود

بقلم: عبد المنعم سبعي:

تسير بنا الأيام دون استئذان وتتوالى الأيام والشهور تنقطع من أعمارنا قسرا لا طواعية، نترقب حلول مناسبات مفرحة وأيام ذات دلالة عميقة في مجتمعنا وموروثنا الفكري والثقافي، لعلها تنسينا فيما ينقطع من أعوام من حياتنا المحدودة، ويبقى موعد شهر رمضان الأبرك في حياة كل مسلم إحدى هذه المناسبات، فهو شهر خصه الله بنزول القرآن وفضله على سائر الشهور، وهو مناسبة عظيمة أيضا بما ارتبط في أذهاننا من عادات وذكريات، ومن أجمل الأشياء في حياة الإنسان خزائن الذكرى فالناس عادة ما تحفظ فى خزائنها الأموال والمجوهرات والأشياء الثمينة، لكن خزائن الذكريات هي تلك التي نحفظ فيها أسرار حياتنا وما عشناه من تجارب وأحلام.. في هذه الخزائن نحفظ استعداد أمهاتنا وآبائنا لاستقبال الشهر الفضيل من تزيين المنزل وإعداد بعض المأكولات البسيطة، وفيها نحفظ البيت البسيط  الذي عشنا فيه واحتضن أحلامنا  حتى وان سكنا بعد ذلك أفخم القصور.. وفيه نحفظ ذكريات جار كريم  قضينا معه سنوات من العمر الجميل.. وفيه نحفظ أيضا أغنية عانقتنا مشاعرها ونحن نعيش لحظة حب صادقة.. وفيه نحفظ رائحة طعام أمهاتنا حتى وان كان بسيطا بل فقيرا، لكنه كان متميزا بمذاقه الرائع وإن عرفنا اليوم اكبر الفنادق والحفلات والأطعمة الفاخرة التي أبدع فيها ممونو الحفلات.. مازلنا نقف في لحظة ما ونشم عطر أمهاتنا البسيط ونسمع دعواتهن وكأننا نستجديهن في لحظات الألم والمعاناة.. مازلنا نتذكر ابتهالات المؤذنين وقت صلاة الفجر وولائم آبائنا البسيطة التي كانت بدافع إطعام الطعام الذي هو من أفضل الإسلام.. سوف نتذكر يوما جميلا عشناه بواحة سيدي يحيى أو بالبساتين المجاورة التي اختفت خلف تلال الاسمنت والحجارة.. إنها ومضات تضئ أحيانا ظلام أيامنا وتشعرنا بشئ من الأنس وقد تحرك حنينا أو أشواقا لطيف قد عبر .. إننا لا نملك الحق في استرجاع دقيقة منها ولكنها تأخذ مكانا قصيا في خزائن ذكرياتنا ونعيش فيه .. وفى رحلة الإنسان وجوه كثيرة لا تستحق أن يراها أو حتى يتذكرها لقد اختفت تماما وليس من حقها أن تعود.. وهناك أيضا تجارب مريرة تركت لنا جراحا ربما التأمت مع الأيام ولكنها أحيانا تفرض نفسها علينا ولا نجد فيها غير إحساس عميق بالمرارة وربما الندم .. سوف نجد في رحلتنا مع شريط الذكريات أشخاصا يتسللون إلى خزان ذكرياتنا ويتركون لنا أشياء غريبة من بقاياهم .. فلا نترك خزائن ذكرياتنا للعابثين كل واحد يحاول أن يترك لنا شيئا نذكره وهو لا يستحق أن يعبر في شريط ذكرياتنا .. نحن مطالبون من وقت لآخر أن نفتح هذه الخزائن ونراجع الوجوه والأحداث والصور ونتخلص من كل الأشياء الرخيصة، فهل يوجد إنسان عاقل يحفظ قطعا من الصفيح المتآكل في خزينته بجانب الأشياء الثمينة، بالطبع لا،  لأن الصدأ يفسد كل الأشياء حوله ..

إلى وقت قريب كان الناس مقتنعون بمعنى فكرة، مفادها أنه إذا أردت أن تعرف شعبا فابحث في قضاياه واهتماماته وثقافته وفكره وتاريخه.. وكانت هذه الأمور تبرز في كتاب أو صحيفة أو رأى كاتب أو مفكر وكانت تعبر عنه حتى الأغاني والنكت المتداولة، كل شيء كان هادفا وذا مغزى. وإذا حاولنا الآن أن نطبق هذه القاعدة على أحوالنا في مغربنا الحبيب فسوف نكتشف أن قضايانا واهتماماتنا تضاءلت كثيرا..في أيام زمان كانت قضايا بناء الوطن، والهوية وتحرير الأرض والبشر وقضايا الحريات والديمقراطية والأحزاب الحقيقية محور هذه الاهتمامات.. وكانت الفنون تعكس ذلك كله إلى جانب الفكر بكل رصيده ومعاركه ومدارسه وكانت الأحزاب السياسية مجالا لمقارعة الحجة بالحجة وفضاء لتبني فكر وممارسة إيديولوجية.. كان الكبار يختلفون في الآراء والمواقف ولكن بنزاهة وعلم وترفع وكان الفنانون يبدعون كل على طريقته وأسلوبه وكانت صراعات السياسة تظهر بوعي وانتماء ووطنية .. وكانت سمعة الوطن وتاريخه وثوابته خطوط حمراء لا تجاوز فيها ولا تشويه.. وكان هناك ضمير عام يحكم سلوكيات المجتمع ابتداء بالخلافات في الآراء والمواقف وانتهاء بما يقال في وسائل الإعلام، وكان الضمير العام يحكم كل شيء لأنه يتجرد من كل نوازع المصالح والغايات.. كانت المعارك تدور على صفحات الجرائد ولكنها معارك أفكار وليست صراعا على صفقة أو أبواقا لجهة ما.. وكان للترفع في السلوك والأخلاق فرسان يعرفهم الناس، وكان للأقزام والمشوهين فكريا وسلوكيا أماكن تشبه بيوت السوء التي يرتادها المشوهون من البشر.. كانت الحياة بهذا الوضوح في كل شيء ولم تكن الأقنعة قادرة على إخفاء الحقائق.. والآن حاول أن تتابع مواكب الأشياء حولك سوف تكتشف أننا نعيش زمانا غريبا فلا فرق بين احتلال الأوطان وسيادتها بين بنائها وخرابها..ولا فرق بين الهاربين من النيران في أوطانهم والهاربين بثروات شعوبهم والكل مهاجر .. ولا فرق بين امة اهتزت لها أركان الكون وأمة مهزومة ممزقة ضائعة.. ولا فرق بين مسؤولين دخلوا مزابل التاريخ ومسؤولين كانوا تاجا للنقاء والصفاء والكرامة.. لا فرق بين فرق النفاق وفرق الحق بين من أضاءوا العقول ومن افسدوا الناس بالباطل.. بين وجوه تراها وتشعر بحالة من الغثيان ووجوه تمنيت لو انك صافحتها ذات يوم .. لقد اختلت موازين الأشياء والبشر والأخلاق في عالم فقد كل القيم النبيلة وأصبح وكرا واسعا للأفاكين والمحتالين وتجار الفرص ..

ولست أريد أن أسمي أحدا بعد أن سقطت الأقنعة عن كثير من الوجوه ولكنني فقط أتساءل – مثل آلاف المواطنين كيف نامت ضمائر من كنا نخالهم من الشرفاء والذين تمخضوا عن فكر حر عفيف ورؤية سياسية مبنية على الواقع والوقائع التاريخية والمجتمعية؟  فكيف نامت ضمائرهم  ومجتمعهم يخوض أغرب منافسة مع جهات تجيد التحرك في الظلام مثل الأشباح التي يصعب توقع حدود حركتها من أين تأتى وإلى أين تتجه..!
لقد كنت أتصور أن يبادر أولئك الشيوخ ومن تقاعدوا في العمل الانتخابي حتى لا أقول في العمل السياسي أن ينزووا  إلى ركن سحيق للتوبة والاستغفار لعلهم يصادفوا ساعة الاستجابة، ويتركوا الفرصة للدماء الجديدة والكفاءات الشابة ربما قد تكون قادرة على صياغة برامج عمل ومشاريع تنموية تليق بمقام مدن هذا الوطن وسكانه وأبنائه.

إن مواعيد المكاشفة وقول الحقيقة  لحظات فارقة في تاريخ المجتمعات الديمقراطية ولا تحتمل أي أطروحات مضللة تحمل في طياتها كل معاني الخبث والخداع لأنها تسهم في زيادة الشكوك وتناميها حول جدوى الإصرار على محاربة الفساد والتغني بزمن الشفافية  والوضوح. فمن وقت لآخر نكون مجبرين على التفتيش فى خزينة ذكرياتنا لكي نختار ما يستحق البقاء وسوف نكتشف أن هناك أشياء كثيرة عبرت في حياتنا ولم تترك أثراً، فلا نضيع الوقت والعمر والجهد فيما لا يسعدنا. والذكريات الجميلة وحدها هي التي تستحق البقاء، ومنها ذكرياتنا مع استعداد آبائنا وأمهاتنا لاستقبال شهر الصيام، ومنها أيضا صفاء أرواحهم في مثل هذه الشهر، لم يكن الخير في مجتمعنا تحركه الدوافع السياسية، ولم يكن الصيام مناسبة لجمع المال الحرام، كان رمضان مدرسة للتدريب على القيم الرفيعة من رحمة وتعاون وإحساس بذي الحاجة وأصحاب الفاقة، فأين نحن من هذه المدرسة؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.