احدث المقالات
Home > الحدث > خارطة طريق نحو المستقبل

خارطة طريق نحو المستقبل

بقلم: ذ. خليل غول

إن أي حديث على تنوير الفكر، وإعطائه المناعة ضد البلادة المعرفية، وتجاوز عقمه، من منظورنا الخاص، لا يتم إلا بإقرار عولمة فكرية، منفتحة على تنوعية الآخر، من حيث البعد الكوني الإنساني، في محاولة لتجاوز الانطواء على الذات والاعتقاد الوهمي بصلابتها.

إن اعتماد ثنائية القيم التقليدية المحافظة، تجعلنا ننظر للآخر المختلف روحيا، نظرة ترسخت تاريخيا، كانت ولا زالت، لا تنتج إلا النبذ، وازدراء ذلك الآخر في مرجعاتة الثقافية عموماً والروحية تحديداً، اعتقادا بأن المتداول الفكري الهوياتي، معصوم ومطلق من حيث التعامل معه أو تبنيه. وكل قراءة له من موقع العقل أو المنطق أو العلم، هي مشوشة، أو تسربت إليها أيادي خارجية تعمل على التفكيك والتفتيت، فرديا أو جماعيا. وبالتالي هي محاولات لضرب الهوية الأصيلة المتوارثة التي قد تتسم بالقدسية، والعمل على تكسير الذات المحصنة، وتلقيحها من براثين الآخر، المختلف ثقافيا وروحيا، بقناعة أن كل تقارب منه، هو على أقل تقدير تشويش على قدسية الذات الممانعة.

نحن إذن أمام انطواء وتقوقع على الذات، الذي هو، في واقع الحال، تكريس لحاضر منغلق، سلبي من حيث المردودية او الإنتاج المادي والفكري الكونيين.

يعني بعبارة أخرى، انكماش على منظومات من موقع الدفاع الأبدي ولا الهجوم أو العمل على تصدير خطاب بلغة كونية، يجد موقعه بين أحضان كل ثقافة إنسانية.

هذا الوضع إذن يتغذى من الماضي، ولا يتجاوز حدود المعطى، ولا يتوجه نحو استشراف المقبل، ولا يأخذ بهاته الهوية في صيغتها المنفتحة التقدمية والإنسانية.

اللحظة التاريخية، من خلال العولمة الحالية تتطلب الاندماج مع الآخر، في ال “نحن” الإنساني الكوني، كهوية إنسانية، وجودية، شمولية، معرفية، قيمية، منطقية وعقلانية… ككينونة، تروم الإنسان الكوني، كحقيقية لهذا الإنسان التاريخي الحالي في تجاوب مع إقرار سلم وتعايش وتسامح فكري، تتغذى بهما الثقافة الإنسانية في شموليتها، داخل ال “نحن” البشري.

إن التموقف من العلمانية، أو الحداثة في منظومة التربية، أو تناولها بشكل محتشم وغير جريء، أمام المد المتطرف عقائدياً، يسقط بشكل لا جدال حوله، في تكريس لإجهاض فكر تحرري، تنموي وبنّاء، وصلب من حيث البناء المجتمعي، والذي يعمل على إقرار هشاشة ثقافية، بلغة الفرد او الجماعة المجتمعية، أو الموسعة، بمعنى التطبيع على عنف رمزي أو مادي تجاه الإنسان “الآخر”

ولعل هاته القناعة هي ما توسع من الدائرة الثقافية، وتربي على الانفتاح والتلاقح والتكامل،’والتفاعل الإيجابي البين -ذاتي، في بعده الشمولي. وبالتالي هو الذي يؤسس لثقافة الغد الحقيقية، المنشودة. ويضع أمامها المناعة ضد التخلف والجهل الحضاريين. ويساهم في مأسسة ثقافة كونية، لا مكانة فيها، لا للعنصرية، ولا للعنف، ولا للازدراء أو الانكماش على الذات، التي تكرس مركزيتها وتفوقها أو تميزها، إن لم أقل الاعتقاد بتميزها القدسي.

إن أي اصطفاف دائري منكمش على نفسه، ومتوجس تجاه ثقافة وحضارة الآخر، سيجد نفسه بجلاء داخل نزعة ضيقة، منغلقة، وشوفينية الأبعاد اللا إنسانية. أبعاد تنتعش على بطولات ماضوية، بل وأحيانا، تتأسس على أساطير أو أوهام داخل قفص الماضي، كفضاء ضيق، منغلق المسارات على الخارج وسيرورته الحضارية التقدمية.

هي قناعة إذن، ومن حيث التقوقع، والاصطفاف على الذات نفسها، لا تروم لا المستقبل، ولا التفاعل الإيجابي المتبادل والبناء مع الآخر. وهي، بقدر ما تتشبع بقيم الإقصاء، والنبذ المنفعل والسلبي له، لا تزرع في نهاية المطاف، إلا قيم العداء، معتقدة تفوقها الباهت، أو بمركزيتها كوهم ساذج. رغم أن ذلك الآخر، فهو أكثر شأنا، حضاريا ومعرفيا وواقعيا، من حيث امتداده وانفتاحه، وصناعاته للمستقبل، بكل مراحله، من حيث إنسانيته ومساهماته الثقافية البين إنسانية داخل الكل التاريخي الذي يتغذى به، وبحاضره المشرق وتوجهه في ذات الآن، إلى أبعد حد ممكن، من حيث البناء، والتحكم في الطبيعة.

وعليه، إن نشدان ما يصطلح عليه بالصفاء الفكري والمعرفي الهوياتي، والاعتقاد الراسخ بإطلاقيته، ما هو في واقع الأمر، إلا رؤية منكمشة الأفق. متقوقعة على ذاتها، في تردي حضاري مكشوف، يدور حول نفسه!!

وبالتالي، فالتركيز على ثقافة الهوية في بعدها الضيق الأيديولوجي أو المذهبي، لا يعمل على تأسيس حاضر، أو مقبل واضح المسار والأفق. لذلك فالتأمل في المنظومة التربوية على سبيل المثال، كموجه للفعل المعرفي والثقافي، وكبناء للمستقبل – داخل منظومة البرامج التعليمية، تحديداً – ، هو توجه ينتج بنية متكسرة الأطراف، لا تتوجه نحو تأسيس مقبل واضح وصلب، امام كل الطفرات والتحولات، التي تعصف حتماً بالكينونة الهشة التي ظلت تتغذى على سلفية الماضي دون سواه، وحذرة من أي انفتاح.

هذا الوضع الذي لا يتأمل ذاته، ولا ينعش خطواته تجاه الغد، وبالتالي سيعمل – لزاماً – على إقرار ثقافة تقصي الآخر الحضاري، وباحثاً عن ذات مفقودة أمام الاصطفاف التنموي الإنساني الشمولي الراهن. بهذا المعنى إذن لا يعمل أيضاً، على بناء الذات المحصنة، المؤطرة بالقيم الإنسانية، المتعددة المشارب، ولا احتضان اللحظات الفاعلة، وتجاوزها من حيث التاريخ كمحطات، أو الانصهار في التنوع الثقافي الإنساني (الذي يؤسس النحن الانساني).

في غياب هذا التأطير، والثورة على الذات المتقوقعة، سنعمل دائماً على إنتاج فكر لا يعبد الطريق نحو المقبل بثبات، وإصرار. لذلك فضرورة نقد الذات، والعمل على إقرار فكر نقدي، كآلية لتقويم لكل لحظة، أو لون معرفي، قياسا بالآخر كنموذج حضاري وعلمي، هو أمر وقناعة توجبهما راهنية المرحلة، نحو ترسيخ الذات، ومساهمتها في البناء الكوني الثقافي والإنساني…

هذا النقد الذاتي، أو المراجعة للمنظومة المعرفية السائدة، في شموليتها ، لم يعد يقبل أي تأجيل.

إنها مراجعة ستوقّع لنفسها حضورا كونيا فاعلا وقويا، يبني إنسانية الإنسان الصحيحة، ويتوجه بثبات، نحو رهان مستقبلي واضح في رؤيته وبنائه، وسيؤسس صناعة إنسان، قادر على الإنتاج، او إعادة الإنتاج للفعل المنشود، الذي يتجاوز سلبية الحضور داخل التاريخ المعاصر على الأقل.

بهذا المعنى، فإن أي تحدي، هو تحدي للذات السلبية التي ظلت تستهلك، دون أن تنتج. وسترسم لا محالة إيجابية في الفعل، وتساهم في بلورة بناء الإنسان الكوني.

نعتقد إذن، أن البرامج التعليمية، تقع عليها المسؤولية المباشرة، باعتبار أنها تشكل الأداة الفعالة لتوطيد قوة الوجود الذاتي والجماعي، ومساهمتها في تكريس التفاعل البين إنساني، من أجل اكتساب قوة الرؤية المستقبلية الهادفة والثابتة.

إن الحذر من أي تلاقح مع الآخر، لا ينتج إلا هوية عقيمة، أمام البناء التنموي والتحدي الحضاري. لذلك فإن أي تأخير في مراجعة الذات وتشريحها، بجرأة وإيمان راسخ من أجل المناعة، سيجعلها مشلولة الأفق، وغارقة في خطابات أصبحت متجاوزة ليس إلا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.