احدث المقالات
Home > كتاب الحدث > الافتتاحية > الافتتاحية: جمعيات الريع في موسم الربيع

الافتتاحية: جمعيات الريع في موسم الربيع

بقلم: عيد المنعم سبعي:

لقد ظل الفنان المغربي عبد الهادي بلخياط ولمدة عقود من الزمن متربعا على عرش أغاني الربيع على الصعيد المغربي، وكانت أغنيته الشهيرة ” أمحبوبي عاد الربيع ” الأغنية التي تفتتح بها القنوات المغربية كل موسم ربيع على الأثير، ورغم ظهور أغنيات كثيرة بقى عبد الهادي بلخياط يتربع على مواسم الخضرة والبهاء المغربيين، لكن لم نعد نسمع مثل هذا الإبداع الجميل فلا توجد أغنية من الغناء الجديد تحمل لنا ذكريات مناسبة من المناسبات. فهل يمكن أن يتساوى القبح مع الجمال.. وأن تتساوى حديقة جميلة تكسوها الظلال مع صناديق القمامة؟ وهل يمكن أن تتساوى حوارات كان فيها عبد الله العروي ومحمد عابد الجابري والدكتور المهدي المنجرة مع سجالات وترهات، لا فكر فيها ولا ثقافة ويفرضها علينا الإعلام فرضا..؟ وهل يمكن أن يتساوى شعب كان يغنى قصيدة ا”أمحبوبي عاد الربيع ” بجمالها ورصانتها مع شعب يغنى لحقيبة المساحيق وللجمال المشوه..؟ وماذا نقول عن أذواق الناس التى فسدت وأصبحت الآن من اخطر ما يواجه المغاربة من المحن والكوارث.. من الذي سمح بتسلل هذه الأمراض إلى جسم المغرب بكل ما كان فيه من القدرة والمناعة.. أي إعلام هذا الذي سمح بظهور هذه النكرات بحيث تحولت إلى رموز وقمم وقدوة أمام ملايين الشباب..إن البعض يمر على هذه الظواهر المرضية باستخفاف شديد وكأنها لا تعني شيئا على الإطلاق ولكنها في الحقيقة تعكس خللا رهيبا في انحطاط الذوق العام وأصبح من حق أي إنسان أن يفتى أو يغنى أو يقدم ثقافته الهابطة أمام الناس.. كانت هناك قواعد تحمى قدسية الدين فلم يكن احد يستطيع أن يفتى بما لا يفهم فيه.. وكانت لدينا لجان للغناء وللنصوص بحيث يصعب على أي صوت قبيح أن يفسد أذواق الناس وكان من المستحيل أن يصمت المجتمع أمام دعاوى فكرية متخلفة أو مريضة.. وكان لدينا مجتمع مدني طاهر وبناء، أما اليوم فبعض الشركات وبعض رجال الأعمال قد فرضوا وصايتهم على أذواق الناس وأصبحت هناك صراعات ونزاعات ومعارك لفرض أنواع مريضة في الفن والفكر والثقافة والسياسة والعمل الجمعوي.. لقد تعقدت القضية ووصلت الآن إلى حالة فساد تهدد الثروة البشرية في المغرب وهى أغلى ما يملك.

إن هذه الفنون وهذه الأفكار تدمر تاريخا طويلا من الإبداع الجميل فهل نترك عقل هذه الأمة لعدد من التجار الذين يرفعون سعر البطاطس والطماطم ويفسدون بأموالهم أذواق هذا الشعب.. هل نترك الإعلام بشاشاته وصفحاته ومنابره وأبواقه ينقل هذا الشعب هذه النقلة المخيفة ويعود به إلى هذه الفنون التي دمرت عقول شبابنا ووقع ضحية بين الفن الهابط والمخدرات.. القضية تحتاج إلى تدخل الدولة لأن التفاهات والفوضى أصبحت اليوم أقرب الطرق  للثراء السريع، والضحية تاريخ مضيء وشعب مبدع.. ومستقبل غامض، فمن يجرم المخدرات عليه أيضا أن يجرم الفن الهابط ويجرم تلك الجمعيات التي غيرت أهدافها التنموية إلى أهداف مقيتة بأساليب مشينة.

إن جل القراءات المصاحبة لأنشطة العمل الجمعوي بمدينة وجدة والمغرب ككل تكاد تقنعنا أنه قطاع تسللت إليه مظاهر الفساد بكل تجلياته، وأصبح مرتعا للتحايل وفضاء للتسول والاسترزاق على غرار ما أصاب العمل السياسي من انحراف وتشوهات، وتزداد هذه الاستنتاجات رسوخا مع حلول الشهر الفضيل، حين ترى مثل هذه الجمعيات تتهافت على القفف الرمضانية تسولا وكذبا على الفقراء الذين يتعففون عن السؤال. ولقد قيل في وقت مضى إذا أردت أن تعرف شعبا فابحث في قضاياه، والقضايا هنا تعنى اهتماماته وثقافته وفكره.. وكانت هذه الأشياء تظهر في كتاب أو صحيفة أو رأى كاتب أو مفكر أو نشاط جمعية أو جهة معينة، وإذا حاولنا الآن أن نطبق هذه القاعدة على أحوالنا في المغرب عموما والجهة الشرقية على وجه الخصوص فسوف نكتشف أن زماننا تضاءل كثيرا..في أيام زمان كانت قضايا تنمية الوطن والهوية وتحرير الأرض والبشر وقضايا الحريات والديمقراطية والأحزاب الحقيقية هي المهيمنة.. وكانت الفنون تعكس ذلك كله والفكر بكل رصيده ومعاركه ومدارسه..كان الكبار يختلفون في الآراء والمواقف ولكن بنزاهة وعلم وترفع وكان الفنانون يبدعون كل على طريقته وأسلوبه وكانت صراعات السياسة قائمة ولكن بوعي وانتماء ووطنية .. وكانت سمعة الوطن وتاريخه وثوابته خطوط حمراء لا تجاوز فيها ولا تشويه.. وكان هناك ضمير عام يحكم سلوكيات المجتمع ابتداء بالخلافات في الآراء والمواقف وانتهاء بما يقال في وسائل الإعلام وكان الضمير العام يحكم كل شيء لأنه يتجرد من كل نوازع المصالح والغايات..كانت المعارك تدور على صفحات الجرائد ولكنها معارك أفكار وليست صراعا على صفقة أو لحساب رجل أعمال أو أبواقا للسلطة تحت غطاء العمل الخيري.. وكان للترفع فى السلوك والأخلاق فرسان يعرفهم الناس وكان للأقزام والمشوهين فكريا وسلوكيا أماكن تشبه بيوت السوء التي يرتادها المشوهون من البشر.. كانت الحياة بهذا الوضوح في كل شيء ولم تكن الأقنعة قادرة على إخفاء الحقائق.. والآن حاول أن تتابع مواكب الأمور حولك سوف تكتشف أننا نعيش زمانا غريبا فلا فرق بين تنمية الأوطان وجهاته وبين تكريس تخلفها.. ولا فرق بين الفساد السياسي والفساد الجمعوي إلا في حالات نادرة والشاذ لا حكم له.. ولا فرق بين مسؤولين دخلوا مزابل التاريخ ومسؤولين آخرين كانوا تاجا للعدل والكرامة.. لا فرق بين فرق النفاق وفرق الحق بين من أضاءوا العقول ومن افسدوا الناس بالباطل.. بين وجوه تراها وتشعر بحالة من الغثيان ووجوه تمنيت لو انك صافحتها ذات يوم .. لقد اختلت موازين الأشياء والبشر والأخلاق في عالم فقد كل القيم النبيلة وأصبح وكرا واسعا للأفاكين والمحتالين وتجار الفرص.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.