احدث المقالات
Home > كتاب الحدث > الافتتاحية > الافتتاحية: المسؤول الفاشل شيطان يطرد السعادة

الافتتاحية: المسؤول الفاشل شيطان يطرد السعادة

بقلم: عبد المنعم سبعي:

لا أحد يعرف على أي أساس يتم اختيار بعض الموظفين في مناصبهم ومسؤولياتهم.. وهذه المنطقة بالذات في شؤون بلادنا يدور حولها تساؤلات كثيرة منذ زمان بعيد .. لقد خضعت يوما لمقاييس الثقة والخبرة، وللأسف الشديد أن الثقة جارت كثيرا على الخبرة وكانت النتيجة أن تولى المناصب أشخاص يفتقدون الكفاءة في مواقع كثيرة وكان من نتيجة ذلك أن انسحبت كفاءات وخبرات عديدة.. على الجانب الآخر لعبت العلاقات الشخصية والمصاهرة دوراً كبيرا في دائرة المناصب الكبرى، حتى إن أسماء كثيرة أقامت كل تاريخها الوظيفي على هذه العلاقات وكانت سلمها الوحيد للصعود دون تميز في العطاء والإبداع، ولا شك أن للأحزاب السياسية دورا مهما في تقسيم الكعكة ونيل نصيبها والفوز بأسهمها، وبقيت دائرة المناصب تدور حول هذه المناطق أهل الثقة والعلاقات الشخصية  والمصاهرة، وكل منطقة منها افتقدت في أحيان كثيرة لعناصر الكفاءة والخبرة وربما الشفافية وسيطرت هذه الأساليب على اختيار المسؤوليات، وتدرجت حتى انتقلت إلى ما هو اقل وأصبح المسؤول الذي جاء من شواطئ العلاقات العائلية والمصاهرة يستخدم نفس الأساليب في اختيار من هم دونه مرتبة ودرجة ..والغريب أن بعض هؤلاء الذين جاءوا إلى مراكز مهمة من المسؤوليات عندما يشتد عليهم حبل المحاسبة والمكاشفة يلجأون إلى بعض الزوايا الدينية كمريدين لإحدى الطرق طلبا للصفح والحماية..
إننا عندما نتحدث عن الفساد بالمغرب نكون أمام مجموعة من البشر لها من القوة والسلطة والنفوذ ما استحلت بها كل شيء لنفسها من الامتيازات والرخص واستغلال سيارات الدولة والتحايل على الميزانيات.. وحرمت فئات عريضة من حقها في العدالة والحياة الكريمة..  هذا هو زمن غياب صوت الحكمة  الذي يعانى منه مشهدنا السياسي والإداري وهو مشهد ليس بوسعه أمام خطط المفسدين سوى تكريس الفوضى وصيحات الاحتجاج التي أصبحت عنوانا مزيفا لمطالب التغيير والإصلاح باتجاه الديمقراطية ورفض الاستبداد بينما هي في حقيقتها توفر الأسباب والذرائع لاستدعاء الانضباط الغائب بعد أن تحول المشهد العام إلى ما يشبه الرقص المجنون نتيجة تداخل الأمور وتشابك التعاريف وانفتاح الساحة السياسية على مصراعيها لمن تأهل ومن لم يتأهل. لكن وعي صاحب الجلالة بضرورة القطع مع هذه التجاوزات وحرصه على التأسيس لمرحلة جديدة وبلورة سياسة حكيمة تقوم على تحديث عمل الإدارة وربط المسؤولية بالمحاسبة، قد يجتث مظاهر الفساد من جذوره. وقد يبعد الشياطين من طريق سعادة البؤساء، وحتما فإن الشياطين لا يصنعون السعادة، وأن البؤساء لن يكفوا عن انتظار الملائكة جيلا بعد جيل.

في كل مرة تفاجئ مثل هذه الممارسات عددا من المسؤولين والمتتبعين وتؤلم العديد من الشرفاء الذين اعتقدوا أن الواقع السياسي للبلاد يفرض على الأقل إظهار نوع من الغيرة على مصالح المواطنين والوطن للاستخدام الانتخابي وأكدت بالملموس على أن عصر تجاهل المصالح العليا للوطن لا زال قائما، كنا نعتقد خصوصا بعد بعض المحطات التي تم فيها إعفاء العديد من المسؤولين، أننا ندشن لمرحلة جديدة يتم فيها تطبيق مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، ونستنير في طريقنا بالتوجهات الملكية من خلال الخطب الأخيرة، بداية بخطاب عيد العرش ووصولا إلى خطاب افتتاح الدورة البرلمانية التشريعية، التي كانت تلمح إلى أن طريقة تدبير وإدارة الأمور ليست على ما يرام، وأن هناك اختلالات في مجموعة من المجالات؛ ما أدى إلى ظهور عدد من المظاهر السلبية أو بعض الأحداث التي أثرت على الاستقرار في بعض المناطق من المغرب. لذلك يجب القطع مع هذه السياسات، ويجب التأسيس لمرحلة جديدة وبلورة سياسة جديدة تقوم على تحديث عمل الإدارة وإعادة بلورة السياسات العمومية وتقييمها، ويجب تفعيل دور المؤسسات الرقابية، كالمجلس الأعلى للحسابات والمفتشيات داخل الإدارات.. إنه صوت الحكمة الذي خلناه يحاول اجتثاث قضايا الفساد الإداري والاقتصادي والسياسي. فالفساد لم يعد موضوعا غير قابل للملامسة والمقاربة كما كان يحاول المفسدون الترويج له سابقا، بل تناوله اليوم وأكثر من مرة أعلى سلطة في البلاد، كما تناوله  الشعب المغربي  في أكثر من مرة وطالب بضرورة التصدي للفساد الذي أضاع فرصا مهمة  للتقدم والتنمية والازدهار..ولا شك أن للفساد حصونا وقلاعا كانت تحميه وقد استشرى عبر سنوات طويلة في كل مفاصل الدولة، وسيطر عباد الفساد والمستفيدون من استشرائه على  دواليب مؤسسات مهمة، فللقضية أكثر من جانب وفيها أيضا أكثر من جهة مسؤولة.
إن الأزمة الحقيقية في قضية الفساد ببلادنا أنه نشأ في أحضان بعض الأحزاب السياسية، وان هناك جهات تحميه وتغذيه، وأن هذا الفساد امتد إلى جذور المجتمع المغربي وأصبح له أنصار ومريدون، بل أكثر من هذا أن أجيالا من الفاسدين قد تركت هذا الإرث لأبنائها.. فعندما تم توريث الوظائف والمناصب الكبرى وأحاطتها بسياجات منيعة، كان ذلك تأكيدا ودعما لمنظومة الفساد، وعندما أفسدت على البسطاء الانتشاء بوظيفة بسيطة من السلم الثامن أو التاسع، كان ذلك قضاء مطلقا على أي جذوة أمل في الإصلاح، وحين انتقل هذا المرض الخبيث إلى فئات وطبقات اقل مرتبة في الهرم الاجتماعي كان ذلك تدميرا لمنظومة أخلاقية قام عليها المجتمع المغربي.. وحينما تدمر المنظومة القيمية فقل على المجتمع السلام.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.