احدث المقالات
Home > الحدث > “الأفيون والذاكرة” للمرحوم يحيى بزغود بين الرواية والسيرة الذاتية (الجزء الثاني)

“الأفيون والذاكرة” للمرحوم يحيى بزغود بين الرواية والسيرة الذاتية (الجزء الثاني)

بقلم: الدكتور إسماعيل فيلالي

قراءة للأفيون والذاكرة                    

 عنوان النص

يتكون عنوان النص من تيمتين أساسيتين: الأفيون والذاكرة. وكما هو معروف لدى الدارسين والنقاد يعتبر العنوان بمثابة مفتاح للنص وهو يوحي بأشياء كثيرة ومتعددة، فهو يخلق أفق انتظار واسعا لدى القارئ وهو يتأمله، غير أن هذا الأفق سرعان ما يبدأ في التقلص حينما يلج القارئ الغرف النصية، حيث يبدأ الحكي من خلال التذكر والاسترجاع انطلاقا من بؤرة النص التي هي دوار أولاد ميمون ببادية أنجاد الواسعة في أحواز وجدة، حيث ولد صاحب “نخلة السعد”. ويتراجع الأفيون وتنتصر الذاكرة التي تخرج صاحبها من رتابة الحياة. وبها يستعيد الأمل في الحياة من أجل استشراف المستقبل، خاصة فيما يتعلق بالعلاقة بين الشعب المغربي والشعب الجزائري. التي أفسد صفاءها طرد المواطنين المغاربة من الجزائر في سنتي 1975/1976 بشكل لا يليق بالتاريخ المشترك للبلدين. حيث يجمعهما التاريخ والجغرافيا واللغة والدين والعادات والتقاليد. والكاتب لا يريد أن يتم العبث بهذه الذاكرة المشتركة، وهو يأمل أن يتم بعثها من جديد لبناء صرح المغرب العربي الكبير.

بنية النص السردية

تمتد الأفيون والذاكرة على مساحة (177صفحة) من الحجم المتوسط تتوزع على اثني عشر فصلا،لكل فصل عنوانه الخاص، وكل فصل خصص لحكاية ما، ويبقى الرابط بين هذه الحكايات الفرعية هو الفاعل الذاتي (السارد) الذي لا يعلن أنه يقدم سيرة ذاتية، وإنما يضعنا أمام نص روائي كما أشار إلى ذلك في عتبة الكتاب. وهذه الفصول هي:

نخلة السعد – موسم الهجرة –  زغاريد منتصف الليل – رحيل المتوحد –  لصوص الأحلام – أحلام العودة – الأشباح يعودون – حادي الرماد – عنقاء البوغاز – خيبة الساري – الحمل الكاذب – وماذا لو؟ .

ويتضح من خلال قراءتنا لجميع فصول السيرة أن الصوت المهيمن عليها هو صوت السارد، والحدث السردي لا يتنامى ويتطور في الزمن من خلال العلائق التي تربط هذه الشخصيات بل يبقى كل فصل مستقلا بنفسه وأحداثه. والسارد هو الذي يوحد بينها كما أنها تحترم منطق الحكي الكرونولوجي وتوالي الأحداث وتجعل من السارد بؤرة مركزية في ما تقدمه من أحداث.

اعترافات صاحب نخلة السعد

قليل من الكتاب والأدباء والسياسيين في المجتمع المغربي الذين يقدمون على كتابة سيرهم الذاتية، وما قام به الكاتب والسياسي الأستاذ يحيى بزغود ، رحمه الله، يمكن أن يدخل في الاستثناء. فهو يقدم بطريقته الخاصة سيرته الذاتية المشتركة، فيبوح بما كان يعيشه رفقة أقرانه من الشباب في قرية أولاد ميمون، بمعنى أنه يقول الحقيقة أو بعضها عن حياته الشخصية أو ما خفي منها، وعلاقته بالآخرين من خلال ما جاء في التمهيد الذي صدر به سيرته الجماعية: “عبثا حاولت إقناع يحيى الخالدي بأهمية نشر محتويات دفتره، فالرجل كان قد كفر بكل شيء، وخبا ما عرفت فيه من حماس، بعد الاحباطات التي عانى منها وخيبات الأمل المتتالية التي مني بها، فلم يعد ينتظر من المستقبل شيئا وألزم نفسه بالتردد على المسجد للقيام بأمر دينه. فلما ألححت عليه أفحمني بسؤال قائلا: “ما عساها تفيد مثل هذه الأشياء؟ ولمن تذيعها؟” ثم أضاف: “أنت تعرف أننا قضينا سنوات طفولتنا جميعا، وعبثنا جزءا من شبابنا وكهولتنا معا… فإذا كان يهمك نشر ما بهذا الدفتر، فهو لك، غير أن لي شرطين”. قلت: ما هما ؟” قال: “أن تستشير صديقنا عاشور القصاب، فهو أهم شخصية في هذه الصفحات، وأنت تعرف أن علاقتي به لم تنته إطلاقا حتى اليوم، على العكس منكم أنتم جميعا، وثانيا ألا تغير من وقائعها شيئا”. قلت: أعدك أني سأفعل، ولكني أرى أنك قد شددت علي بعض الشيء”. فعاد يقول: “لا تمسس من ذاكرتنا المشتركة شيئا، وافعل ماشئت بعيدا عنها”. (ص 17/18).         

 إلا أن الكاتب لم يتخذ من اعترافاته منحى الكتاب الغربيين الذين جاهروا بمحاسنهم ومساوئهم وأخطائهم ومعاصيهم امثال روسو وستندال وديكارت وفلوبير وفيرجينيا وولف وجورج صاند و تولستوي وغيرهم ..، وإنما حاول أن يظهر منها ما هو شقي ومتعب في عالم البداوة حين يقول: “قيل إني خرجت إلى الوجود ذات شتاء، بكلتا قدمي وليس بمقدم رأسي كما يولد أغلب الأطفال، وهم يسمون من يخرج من بطن أمه بهذه الطريقة غير المعتادة “فارسا”، قيل أيضا أن ولادتي تزامنت مع ولادة عجل ومهر، خرجا إلى الوجود في ذات الليلة الشتوية غزيرة الأمطار، فتفاءل صاحب الضيعة كثيرا وأهدى والدي كبش عقيقتي، وأهدت زوجته “ايرما” لوالدتي قماطا وألبسة وأشياء أخرى… وفتشت إحدى العجائز راسي، بعد أيام، فوجدت في قنّته شعيرات تقف منتصبة، فقالت: هذه نخلة السعد… لا تغفلي يا فاطمة عن ترطيبها بزيت الزيتون حتى تزكو بركتها وتنمو، ويستقيم ميمون العائلة”. ومن اعترافاته أيضا جهله ليوم ولادته حين يقول: “أجل لقد ولدت ذات ليلة شتوية ماطرة ولكن أحدا لم ينتبه لتقييد يوم ولادتي أو ولادة أقراني من بني البقر والخيول، بشكل مضبوط، فبقيت أجهله حتى اليوم، وإن كنت أرجح أنها كانت ليلة من ليالي آخر دجنبر 1947 أو بداية 1948، اعتمادا على ما حكته والدتي حين قالت إني ولدت حين كان اللوز يزهر، و أشجاره تفعل ذلك عندنا بدءا من أواخر دجنبر وخلال يناير…” (ص 21 )، وكثير هي تجليات الاعترافات الشقية والمتعبة التي عاشها الكاتب رفقة أقرانه من أبناء الدوار كعملهم في الإسطبلات وجمع روث البقر، والنوم في بيوت كانت فيها الأفرشة قليلة، والتغذية ناقصة، وغيرها من المظاهر المتعبة التي عاشها جيل بأكمله ليس في دوار أولاد ميمون ولكن في أرجاء المغرب كله.

ميثولوجيا القرية في الأفيون والذاكرة

يعود المؤلف إلى القرية بواسطة الكتابة، حيث تملكته النوستالجيا والحنين إلى رومانسية البادية والقرية حيث البراءة والحب الإنساني في صفائه وغناه الروحي. والأفيون والذاكرة نتاج طبيعي لإحساس الكاتب العميق بالانتماء إلى الأرض والقرية الهادئة التي تربى في أحضانها. إنها  قرية أولاد ميمون حيث يستعيد ملامحها في زمن سنوات الخمسين اعتمادا على الذاكرة، والذاكرة كما هو معروف ماكرة لا تقول كل شيء بل ما تعتبره مهما في ذهن المؤلف. والمؤلف لا يعتمد على التاريخ الرقمي لسرد حكاية القرية وإنما يستحضرها من خلال اعترافاته وعلاقاته في ذلك الزمن المهم من حياته. وهذه القرية بطبيعة الحال ليست رقعة جغرافية جافة و جامدة، فهي مجموع العلائق الإنسانية التي كانت في ذلك الزمن سواء داخل القرية أو محيطها الداخلي، أو علاقتها بالمدينة/وجدة أو علاقتها بالمحيط الخارجي/الجزائر. ومن هنا أعطى المؤلف للقرية ملامحها الكبيرة من خلال الناس الذين عاشوا فيها فأثروا فيها وتأثروا بها، وحملوا بعضا من عاداتهم وتقاليدهم إلى الأماكن المدنية التي لجؤوا إليها من بعد. والكتابة عن القرية في زمن مضى يرتبط بحب المؤلف لهذا المكان، فتتحول بفضل هذه السيرة إلى فضاء مهم في ذاكرة الإنسان فيرسم لها صورة نمطية ستظل من دون شك تاريخا للأجيال القادمة الصاعدة من تلك القرية التي لا محالة أنها تغيرت كثيرا مع مرور الزمن. وقد استبدت الذكريات بفكر الكاتب فحاول لملمة شتاتها تحت ضغط الزمن الهارب والحياة المعقدة، لكي يقاوم ساطور النسيان الذي يحصد كل شيء بعد تقدم الإنسان في العمر، ولكي يعيد رسم ملامح هذه القرية وتأثيث ذاكرتها  لمواجهة “الأفيون”، والخوف من الضياع…

يتبع

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.