Home > الحدث > الحدث الجهوي > يقولون ما لا يفعلون: أين يدرس أبناء الوزراء والبرلمانيين؟

يقولون ما لا يفعلون: أين يدرس أبناء الوزراء والبرلمانيين؟

يكتبها: زهر الدين طيبي
قبل الحديث عن الوضع المهزوم الذي يعيشه البرلمان اليوم، وفي عز تجديد الهياكل التي سوف تستمر لما بقي من عمر البرلمان كما كانت عليه في المنتصف الأول من الولاية البرلمانية، نتساءل: هل كان بنكيران يقبل في عهده أن يتحدث أيا كان من حزبه في مواضيع السياسة العمومية دون اللجوء للمؤسسات؟ لماذا لم يعد الأمين العام السابق لحزب العدالة والتنمية يحترم هياكل ومؤسسات حزبه؟ من منا لا يتذكر كيف كان بنكيران يتدخل لإسكات عدد من نواب حزبه، عندما كان أمينا عاما للحزب ورئيسا للحكومة، وكيف كان يطالب بعض الغاضبين على قراراته بعدم الإدلاء بأي تصريح، حرصا منه على تمرير عدد من القوانين، رغم اعتراض البعض عليها، وضرورة احترام المواقف المعبر عنها من قبل مؤسسة الأمانة العامة، فلماذا تناقض الرجل مع هذه المواقف عندما لم يعد مسؤولا على هياكل الحزب؟ لماذا تجاوز بنكيران اليوم من موقعه كعضو داخل الحزب كل صلاحيات الأمين العام، ورئيس الحكومة، لدرجة أنه طالب العثماني بتقديم الاستقالة والانسحاب من الحكومة؟
بدا واضحا للعيان أن الخرجات المتتالية لعبد الإله بنكيران، الأمين العام السابق للعدالة والتنمية، لم تكتف فقط بإحراج الأمين العام ورئيس الحكومة، بل زادت من تعميق الخلافات داخل حزب العدالة والتنمية، وصعبت أكثر مهمة سعد الدين العثماني في قيادة سفينة الفريق الحكومي. لقد اختار بنكيران المطية على أحد أكبر الملفات تعقيدا، وهو ملف إصلاح منظومة التربية والتكوين، واستغل تباين آراء الفرقاء لخلق الشقاق داخل الحزب الذي يقود التحالف وضرب بذلك كل الأعراف والأخلاق السياسية المعمول بها في حزب العدالة والتنمية أولا، وفي كل الأحزاب المسؤولة ثانيا.
الغريب في سلوك الزعيم الذي تم إعفاءه، هو أنه أصبح يمارس الضغط على نواب حزبه، عبر تصريحاته المباشرة على مواقع التواصل الاجتماعي، وحثهم على مقاطعة أعمال لجنة التعليم، وعدم التصويت على مشروع، القانون الإطار، وهو ما جعل الحزب ينقلب على موقفه السابق والتوافق الحاصل بين مكونات الأغلبية الحكومية.
وكان من الطبيعي، أن تثير خرجات بنكيران امتعاض عدد من أطر العدالة والتنمية وقياداته، خاصة الرافضين الانصياع لأوامره، في الوقت الذي لا زال يواصل الأمين العام ورئيس الحكومة مساعيه، من أجل تحقيق التوافق المطلوب قصد المصادقة على مشروع قانون الإطار، وفي نفس الوقت، تفادي تفجير الأغلبية، وتحميل المسؤولية في ذلك إلى حزبه، خاصة بعدما حملت أحزاب من الأغلبية والمعارضة، على حد سواء المسؤولية في ما يجري إلى سعد الدين العثماني، الذي عجز عن ضبط فريقه البرلماني، وفرض احترام الالتزامات الموقع عليها مع فرق الأغلبية.
لقد كان يفترض في بنكيران أن يكون أشد حرصا، على إبعاد قضية مصيرية للشعب المغربي، من مستوى قضية التعليم، عن المزايدات السياسية والإيديولوجية، لأنه بغض النظر عن مآل الأوضاع بعد تصريحات بنكيران، فإنه لا يليق بزعيم سياسي ورئيس سابق للحكومة، استعمال تلك الطريقة الفجة والخالية من اللباقة في مخاطبة الأمين العام لحزبه ورئيس الحكومة سعد الدين العثماني.
المؤكد أن تصريحات بنكيران اليوم تسير في الاتجاه المعاكس لما كان يقول وهو رئيس للحكومة، والهدف منها هو السعي لإسقاط العثماني من رئاسة الحكومة والأمانة العامة للحزب، حتى يخلو له المجال للعودة إلى الساحة السياسية، ولكن هل فعلا الجدل الذي أثاره بنكيران يستحق الوقوف عنده؟
المتتبع لما يمكن أن نسميه الجدل حول اعتماد الفرنسية في تدريس المواد العلمية والتقنية، يدرك بسهولة أن النقاش الحالي هو نقاش مغلوط وعقيم يتم من خلاله تعويم النقاش الحقيقي حول جودة التعليم وأية مدرسة عمومية نريد لأبناء المغاربة، كما أنه لا يعدو أن يكون هدرا للزمن السياسي لا أقل ولا أكثر.
طبعا، لم يتمكن مجلس النواب من بدء إجراءات المصادقة على مشروع القانون الإطار للتربية والتعليم، بعدما استمر تأجيل اجتماع اللجنة البرلمانية المعنية ثلاث مرات خلال الأسبوع الماضي، بسبب خلاف حول لغة التدريس، وهذا بعد أسابيع من النقاش حول المشروع باللجنة البرلمانية، وبعد توافقات مسبقة سواء بين الأحزاب المشكلة للحكومة أو بين المعارضة والأغلبية، على اعتبار أن الموضوع مصيري بالنسبة للوطن ويهم مسألة التربية والتكوين التي تأتي مباشرة بعد قضيتنا الوطنية الأولى، وأيضا لأن الحصول على توافق في القضايا المصيرية لمستقبل البلاد أهم من انعدامه أو غيابه. لكن للأسف خروج بنكيران المباشر حرض نواب العدالة والتنمية وجعلهم ينقلبون على الاتفاق، ولكن هل لغة التدريس كفيلة بإخراج تعليمنا من دائرة الفشل؟
قطعا، لغة التدريس ليست كافية للخروج من دائرة الفشل في قطاع التعليم ببلادنا، لأن المغرب اعتمد سياسة تعريب التعليم منذ عام 1977، لكن بطريقة ارتجالية، لهذا ظلت سياستنا التعليمية متعثرة، حيث بقيت المواد العلمية والتقنية تدرس باللغة الفرنسية في التعليم الثانوي بالبلاد، حتى مطلع تسعينيات القرن الماضي، حينها تقرر تعريب جميع المواد حتى نهاية التعليم الثانوي، مع استمرار تدريس العلوم والاقتصاد والطب والهندسة باللغة الفرنسية في جميع الجامعات المغربية.
ومعلوم اليوم، أن لغة العلوم تتغير بسرعة، حتى الفرنسية لم تعد لغة العلم، بل أن دولا غربية تجاوزت الإنكليزية، وشرعت في تدريس اللغات الأخرى كاللغة الكورية واليابانية والصينية. لهذا يمكننا الجزم، بأن لغة تدريس المواد لعملية باللغة الفرنسية لن تكون الحل السحري لنجاح التعليم، وأولئك الذين يطالبون بالتعريب يدركون أن مستوى تمكن التلاميذ من اللغة العربية رغم التعريب، تراجع بشكل كبير وأصبح ضعيفا، بمعنى أننا فقدنا حتى تلك المكتسبات التي كنا تتوفر عليها سابقا، وبالتالي نقاشنا العمومي اليوم يجب أن ينصب بعد الحفاظ على مجانية التعليم، على إصلاح مجالين أساسيين للخروج من دائرة الفشل التي تعاني منه منظومتنا التربوية، مجال المناهج التي لا تتلاءم مع خصوصياتنا وبيئتنا التعليمية المغربية، حيث أننا نلجأ دوما لاستيراد نماذج جاهزة ليست وليدة ثقافتنا ولا وسطنا المغربي، وبالتالي نحصل على نتائج عكسية، أو غير كافية. أما المجال الثاني الذي يجب أن ينصب عليه النقاش العمومي، والذي أغفلناه هو مجال تكوين الأساتذة الذي اندثر بعد إغلاق المدارس العليا للأساتذة والمراكز البيداغوجية الجهوية، كما أن نظام التعاقد عمق ضعف تكوين الأطر التعليمية عندنا.
هنا نطرح السؤال الهام على الأحزاب والبرلمان، وعلى الزعيم بنكيران، لماذا لم يتم فتح نقاش عمومي مجتمعي منذ بداية وضع القانون الإطار؟ وكيف لبرلمان أكثر من ثلثه لا يتوفرون على شهادة الباكالوريا أن يقرر في مصير التعليم ببلادنا؟ وسؤال الختم دون لغة خشب، من هم الوزراء ومعهم كل زعماء الأحزاب والبرلمانيين الذين يدرسون أبناءهم بالمدرسة العمومية المغربية؟ حتما بالجواب على هذه التساؤلات ينتهي الكلام. إنهم يقولون ما لا يفعلون، ويبيعون الوهم لأبناء الوطن.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.