Home > الحدث > “الأفيون و الذاكرة” للمرحوم يحيى بزغود بين الرواية و السيرة الذاتية (الجزء الأول)

“الأفيون و الذاكرة” للمرحوم يحيى بزغود بين الرواية و السيرة الذاتية (الجزء الأول)

بقلم: الدكتور إسماعيل فيلالي

بعد قراءتنا المتأنية للأفيون والذاكرة، للمرحوم يحيى بزغود، تبين لنا، أن فكرة تصنيفها في مجال الرواية، من لدن الكاتب، يبدو مجانبا لما يحتويه الكتاب، فبين تجنيس النص المثبت في العتبة  “رواية” والغرف النصية، شيء من التنافر، لأن الأفيون والذاكرة سيرة ذاتية/جماعية بامتياز. تنهل من ذاكرة المؤلف، وتعيد صياغتها بقالب سردي يوحي بأنها رواية، لكن الأحداث والشخصيات هي من صميم الواقع، وليست من عالم التخييل، كما أن الأزمنة والأمكنة المؤطرة للنص، هي من صميم الذاكرة، فالكاتب يحكي جزءا من سيرته الذاتية المشتركة، التي قضاها بأحواز مدينة وجدة، بقرى أنجاد، بدءا من سنوات الخمسين والستين وصولا إلى سنوات الثمانين. والشخصيات التي حكى عنها هي شخصيات واقعية عايشها، وروى تفاصيل حياتها كما عاشتها، والسيرة غطت طفولة الكاتب وجزءا من شبابه وردحا من كهولته. وبين طيات هذه السيرة، يشير المؤلف إلى أحداث تاريخية ووطنية وعربية ودولية، لها علاقة بذاكرته و ذهنيته السياسية. كما أن السيرة تربط بين حياة أهل أنجاد وسكان الغرب الجزائري، مع الإشارة إلى الأزمة السياسية التي خلقت بين البلدين على مستوى فوقي حول الحدود في سنة 1963 وطرد المهاجرين المغاربة من الجزائر في سنة 1976 بعدما طفا إلى السطح مشكل الصحراء.

 وتجنيس “الأفيون والذاكرة” في إطار السيرة الذاتية لا ينقص من قيمتها الأدبية، لأن فن السيرة الذاتية في الأدب العربي له جذور قديمة تحكي لنا عنها كتب السير والتراجم، وكتب الرحلات. وقد تقوى هذا الفن مع مطلع القرن العشرين على يد مجموعة من المبدعين العرب الذين تأثروا ببعض التيارات الفكرية و الأدبية الغربية التي نظرت لهذا الجنس الأدبي الذي مارسه كبار الأدباء الغربيين. وقد سعى هؤلاء الأدباء إلى تأسيس صورة جديدة للإنسان العربي الفاعل في مجتمعه، والمؤسس لتاريخه الحديث عبر إيجاد صيغة نمطية لحياة اجتماعية محترمة تؤهله لمواكبة الحضارة الغربية وسرعة تطورها. ومن هؤلاء الأدباء الذين صاغوا حياتهم الشخصية في سيرة ذاتية أدبية:  

  – طه حسين في سيرته “الأيام”.                                    

  – عباس محمود العقاد في كتابه “أنا” و “حياة قلم”.             

  – توفيق الحكيم في “زهرة العمر” و “سجن العمر”.               

  – أحمد أمين في كتابه “حياتي”.                                   

  – إحسان عباس في كتابه “غربتي”.                           

 – ميخائيل نعيمة في “سجون”.                                      

بالإضافة إلى محمد حسنين هيكل وزكي محمود وأنيس منصور وعبد الله الطوخي والطيب صالح وادوارد سعيد وفدوى طوقان وعبد الرحمان بدوي ورفعت السعيد ونوال السعداوي ومحمد ديب وإبراهيم الفقيه وإبراهيم الكوني وعبد الرحمان منيف وحنا مينا… كما أن ظاهرة الكتابة عن الذات من خلال السير شملت المغرب أيضا، حيث اشتهر مجموعة من المبدعين بسيرهم الذاتية أمثال عبد المجيد بن جلون في سيرته “في الطفولة”،التهامي الوزاني في سيرته “الزاوية”، عبد الله العروي في “أوراق”، محمد شكري في سيرته الملتبسة “الخبز الحافي” وعبد الكريم غلاب وعبد السلام البقالي وعزيز الحبابي ومبارك ربيع ومحمد زفزاف… والسيرة الذاتية كما يرى فيليب لوجون في كتابه “السيرة الذاتية، الميثاق والتاريخ الأدبي” هي (حكي استعادي نثري يقوم به شخص واقعي عن وجوده الخاص، وذلك عندما يركز على حياته الفردية وعلى تاريخ شخصيته، بصفة خاصة”.

ويعرض هذا التعريف عناصر تنتمي إلى أربعة أصناف مختلفة:

1– شكل اللغة :

  أ – حكي

 ب – نثري

2 – الموضوع المطروق:

حياة فردية، وتاريخ شخصية معينة.

3 – وضعية المؤلف:

تطابق المؤلف (الذي يحيل اسمه إلى شخصية واقعية) و السارد.

4 – وضعية السارد:

أ – تطابق السارد والشخصية الرئيسية

ب – منظور استعادي للحكي.

وهذا ما يمنح السيرة الذاتية تميزها عن الرواية، حيث تعتمد على الواقع المعيش للمؤلف الذي يصاغ في نص حكائي بلغة أدبية. وبالرغم من أن النقد الأدبي لا يزال لم يحسم بعد في تعريف السيرة الذاتية تعريفا دقيقا، فإن ما هو متفق عليه بين الدارسين هو أنها تستمد حكايتها من الحياة الخاصة لكاتبها وتاريخه الشخصي، وتمتاز بمرجعيتها الواقعية التي تجمع بين الواقع المادي والنص الأدبي. وفي هذا الإطار تدخل “الأفيون والذاكرة”. لكن هذه السيرة ليست استعادة حرفية للحياة أو الشخوص أو الأحداث أو الوقائع، بل هي محاولة جادة لخلق سيرة نصية موازية، ليست نسخة من حياة المؤلف، بل هي حياة أخرى يسترجعها الكاتب من الزمن الحاضر، ويقوم بتأويلها تأويلا فنيا، يأخذ طابع الاستمرار والخلود، فيتجاوز بذلك حدود الزمان والمكان، فتصبح التجربة في عمقها إنسانية يستفيد منها البشر على مر العصور. لهذا أصبحت السيرة الذاتية تمثل نوعا أدبيا يحظى بمكانة راسخة في فضاء التأليف الأدبي، لأنها تتمتع بمميزات خاصة بها تتمثل في رصد مصير الإنسان خلال تطوره الاجتماعي و الاقتصادي والسياسي والثقافي والبيئي. وفي ذلك محاولة للتأريخ لمناطق الظل في المجتمع وما خفي منه، لأن التاريخ الرسمي للشعوب لا يقول كل شيء، والتاريخ الأدبي بشتى أجناسه يكمل هذا التاريخ. “الأفيون و الذاكرة “، إذن ليست رواية، لأن الخيال فيها محدود، وهو واحد من أكبر المرتكزات في البناء الروائي. لكن هذا لم يمنع الكاتب من استعارة بعض أدوات الرواية كالسرد والوصف و طريقة العرض والبناء.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.