احدث المقالات
Home > الحدث > الحدث الجهوي > الخط الاحمر:الوطن في حاجة لجيل جديد من رجال الأعمال ورجال الدولة

الخط الاحمر:الوطن في حاجة لجيل جديد من رجال الأعمال ورجال الدولة

زهر الدين طيبي: إلى أين تتجه الحكومة في ظل التحاقن الاجتماعي المتواصل؟ لماذا غاب التواصل السياسي الناجح في حوار الحكومة مع الأساتذة المتعاقدين؟ هل يكفي التهديد بالطرد، وهل تتوفر الحكومة على بدائل لحل الأزمة الحالية التي تعرفها الحكومة مع الأساتذة المتعاقدين؟

لقد سبق للحكومة أن قدمت يوم 10 مارس عرضا لتحسين الوضعية المهنية للمدّرسين المتعاقدين، تخلت فيه عن نظام التعاقد لصالح التوظيف الجهوي، حيث يدمج بموجب هذا الوضع الأساتذة ضمن أطر أكاديميات التعليم الجهوية، إلى جانب مقترحات تهم الترقية والتقاعد، إلاّ أن هذا العرض قوبل بالرفض من جانب “تنسيقية الأساتذة المتعاقدين” التي تشبثت بمطلب الإدماج في الوظيفة العمومية. وهكذا، نظم آلاف الأساتذة المتعاقدين، احتجاجات في العاصمة الرباط، لتجديد المطالبة بإدماجهم في أسلاك الوظيفة العمومية وإسقاط نظام التعاقد وتوظيفهم، والكف عن تخويفهم بالطرد من العمل، كما رفعوا شعارات تندد بسياسة وزارة التربية الوطنية وطريقة تعاطيها مع ملفهم. ولا شك أن المقاربة الأمنية وسياسة الوعد والوعيد لم تعد تجدي نفعا، حيث أن الحكومة فشلت في التوصل إلى اتفاق، بعدما لم تنجح في إقناع الأساتذة المتعاقدين بمقترحاتها الأخيرة، ووجدت نفسها مرة أخرى في مواجهة مباشرة معهم بعدما دخلوا في احتجاجات واعتصامات أمام البرلمان، في الوقت الذي لوحت فيه وزارة التربية الوطنية بطردهم بسبب عرقلتهم السير الطبيعي للدراسة. واستخدمت عناصر الأمن خراطيم المياه، والقوة لتفريق المحتجين الذين جاؤوا من كل المدن المغربية، بعد فشل التفاوض معهم لإخلاء المكان، وهو ما أدى إلى إصابة عدد منهم بجروح.

طبعا من حق المتعاقدين الاحتجاج في إطار احترام القانون لضمان حقوقهم، كما من حق الأمن التدخل أيضا في إطار القانون وبما يتناسب من قوة، ودون اللجوء القوة المفرطة، لضمان الأمن العام. ولكن يبقى التفاوض والحوار الوسيلة الحضارية لتجاوز الأزمات، لهذا لا بد من تدبير أزمة الأساتذة المتعاقدين بما يفضي لضمان الاستقرار النفسي للأساتذة، من ناحية، وما يخدم مصلحة المتعلمين من ناحية ثانية، على اعتبار أن الحقوق تقابلها الواجبات وحقوق الآخرين. لقد سبق لرئيس الحكومة سعد الدين العثماني أن قال خلال جوابه عن تساؤلات البرلمانيين حول “الوضعية الاقتصادية والمالية”، إن “جزءاً كبيراً من الاقتصاد مبني على الثقة والجانب النفسي”، لهذا يمكن الجزم أن الأهم اليوم بالنسبة للوطن، هو البحث عن منافذ حوار حقيقي بين الحكومة والأساتذة المتعاقدين، يفضي إلى توافقات تسمح لأبناء الفقراء والمستضعفين بالتحصيل الدراسي العادي، في الوقت الذي يدرس فيه أبناء الميسورين في المدارس الخاصة. إنها دعوة إلى الحوار الهادئ والرصين الذي يخدم مصلحة الوطن، دعوة إلى تغليب المصلحة العليا للتلاميذ والتلميذات، الذين خرجوا بدورهم يطالبون بعودة الأساتذة إلى الأقسام، لتفادي سنة دراسية بيضاء.

طبعا مشكل الأساتذة المتعاقدين هو جزء فقط من مشاكل كثيرة تواجه الحكومة في قطاعات مختلفة، ولم يعد بإمكان رئيس الحكومة الاستمرار في التغاضي عنها. وفي الوقت الذي قال رئيس الحكومة سعد الدين العثماني، في افتتاح المجلس الحكومي الأخير، إنه مرتاح لأن “عام 2019 بدأ بتسجيل مؤشرات إيجابية في مجال جذب الاستثمارات الوطنية والأجنبية”. يمكن بكل أسف الوقوف على محدودية تفاعل الحكومة مع المشاكل الكبرى التي تعيق التنمية، من قبيل محاربة الفساد، خلق الثروة عبر رفع نسبة النمو وتخفيض البطالة، إصلاح الإدارة وتحسين الخدمات الاجتماعية. وإذا كان يحق للحكومة أن ترتاح لما تحقق مع بداية السنة الجارية على مستوى جذب الاستثمار، فإنها بالمقابل لم تستطع مواكبة الأوراش الملكية، بل إنها كانت بطيئة في تنفيذها للإصلاحات المفتوحة التي جاءت بتعليمات ملكية، كما هو الشأن بالنسبة للتكوين المهني وتنزيل مضامين الميثاق الوطني للاستثمار، والعمل على تصور جديد للنموذج التنموي المغربي، الذي يكون بمقدوره الاستجابة لإكراهات المرحلة وتجاوز بعض حالات الاحتقان الاجتماعي بحل المعضلات الاجتماعية، وإصلاح التعليم والصحة وخفض معدلات البطالة، إلا أن الحكومة تأخرت في تنزيل مضامين الميثاق الوطني للاستثمار، مع العلم بأن إصلاح المراكز الجهوية للاستثمار، كفيل بحل جزء كبير من معضلة توفير مناصب الشغل للشباب.

جميل أن يتحدث العثماني عن الدورة 76 للجنة الاستثمارات الوطنية التي انعقدت قبل أيام، وصادقت على 28 مشروع اتفاقية استثمار وتعديل اتفاقيات، بكلفة إجمالية قاربت 23 مليار درهم، ولكن الأجمل هو أن تحقق الحكومة قفزة نوعية على مستوى تنزيل السياسات العمومية التي تستجيب للمطالب الملحة للمواطنين من قبيل توفير الخدمات الصحية المتعارف عليها وضمان التعليم الجيد وإرساء سلم اجتماعي. لقد أبانت الحكومة الحالية عن ضعفها في التواصل السياسي الكفيل بتجاوز بعض أشكال الاحتقان، ومحدودية تفاعلها مع المشاكل الكبرى التي تعيق التنمية، لا على المستوى الاستشرافي والاستباقي، ولا على مستوى التحرك السريع لإخماد الاحتجاجات في كل القطاعات، ولعل هذا ما جعل المؤسسة الملكية تبادر إلى إطلاق إجراءات واستراتيجيات إصلاح من أجل معالجة المعضلات الاجتماعية والاقتصادية، عبر توجيه تعليمات مباشرة إلى الحكومة.

نحن اليوم في ظل أزمات قطاعية تعصف بالسلم الاجتماعي، لهذا أصبحنا في أمس الحاجة لخطاب الثقة والتفاؤل، الذي يكون مبنيا على مرجعية تنموية واقتصادية، بدون خلفيات أو مرجعيات، تختزل حسابات سياسية ضيقة، لأن الأولويات اليوم بالمغرب، تستدعي منا تحسين مؤشرات التنمية البشرية، ولن يتأتى لنا ذلك إلا إذا توفرت الإرادة الصادقة عند الجميع وكان لدينا جيل جديد من رجال الأعمال ورجال الدولة الذين يؤمنون بقيم المواطنة والعدالة الاجتماعية وتقليص الفوارق الطبقية المتوارثة. ما أحوجنا لنخب قادرة على التنزيل والتطبيق الصحيح للمقاربة الاقتصادية والاجتماعية والتنموية التي تخرجنا من عنق الزجاجة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.