احدث المقالات
Home > كتاب الحدث > الافتتاحية > الافتتاحية: الحدث الشرقي تطفئ شمعتها العشرين

الافتتاحية: الحدث الشرقي تطفئ شمعتها العشرين

بقلم: عبد المنعم سبعي:

 

تشاء الصدف أن يتم تكريم الدكتور زهر الدين طيبي الأسبوع الماضي تزامنا مع الذكرى العشرين لتأسيس جريدة الحدث الشرقي، ومن جميل الموافقات أن يكون المبادر إلى التكريم الأستاذ عبد القادر بوراص عضو هيأة التحرير بمناسبة إصداره لمجموعته القصصية “مضارب الشقاء” وأن أكون أنا رئيس تحرير الجريدة مقدم الشهادة في حق مدير نشر الجريدة المكرم بحكم العشرة الطويلة التي فاقت عشرين سنة. ولعل تقاطع مدير نشر الحدث الشرقي ورئيس تحريرها وعضو هيأة تحريرها في التأليف والإصدار يكبر وزن طاقم الجريدة ومستواه الثقافي والفكري، لذلك كان البقاء ولذلك كان أيضا التميز.

لم تكن أعداد جريدتنا المتناسلة أسبوعيا مجرد أرقام متتالية تتعاقب بتعاقب الأحداث وتوالي الملفات، بل كانت منذ عددها الأول حلما جميلا يراود طاقمها في إمكانية مساهمة الإعلام الجهوي في التنمية المحلية، وكانت أيضا رهانا إعلاميا في تحد كبير لمحترفي وضع العصا في العجلة وتبخيس كل ما هو جهوي أو محلي.

فمن ثالث أبريل 1999 تاريخ إصدار أول عدد من أسبوعية الحدث الشرقي، إلى ثالث أبريل 2019 مسيرة عشرين سنة كاملة من الإصدار المنتظم، وحياة إعلامية أنجبت حوالي 1000 عددا، وقاربت مئات القضايا والملفات، ولامست آلاف الأخبار والأحداث. فطيلة هذه المدة غير اليسيرة في حياة الأفراد والمؤسسات الإعلامية، كنا عاقدين العزم على أن لا نغادر هذا الفضاء إلا وقد أبقينا فيه عطاء وإبداعا خالدين لا يشكك فيهما إلا خامل هنا وحاسد هناك، مصرين على أن نروي عطش مواطني هذه الجهة إخبارا وإعلاما وانتقادا بناء، لا يروم سوى تكريس ثقافة ديمقراطية مستمدة من شعار الجريدة ومن عنوان المرحلة ومن قناعة طاقمها بضرورة الإدلاء بدلوها في أفق المساهمة في تنمية محلية والانخراط في المشاريع الإصلاحية والأوراش الكبرى التي يعرفها الوطن.

ستطفئ  إذن أسبوعية الحدث الشرقي شمعتها العشرين يوم الأربعاء ثالث أبريل الجاري وستنطلق بنفس الإصرار والإبداع، تدشن عقدها الثالث، وهي كلها عزم وفتوة لمعانقة أحلام من كانوا وراءها وأمامها كذلك، تقتنص الخبر وتفضح الممارسات الشاذة، وتنوه بالمجدين والمخلصين، وتتابع ميلاد المشاريع والبنيات التحتية المهمة بالجهة، وتنبه المتقاعسين والشاردين عن الدينامية التي شهدتها الجهة منذ الخطاب الملكي التاريخي بوجدة سنة 2003.

طيلة هذه المسيرة الحافلة مرت الحدث الشرقي بمحطات متميزة وجريئة منذ تأسيسها، كان أولها تحدي الإصدار الأسبوعي منذ عددها الأول، ثم جاء قرار الخروج بجريدة الحدث الشرقي  من ضيق الجهة الشرقية إلى رحابة الوطن ومن التوزيع الذاتي إلى التوزيع المؤسساتي، وهو القرار الذي كان  يفرض من الجرأة و ومضاعفة الجهود وتحدي الصعاب  وتجويد الصحافة الجهوية أكثر ما يتضمنه من رغبة اقتصادية في تسويق منتوج إعلامي ظل لمدة خمسة عشرة سنة الأولى من عمر الجريدة حبيس مكتبات الجهة الشرقية وأكشاكها، وهو أيضا قرار في اعتقادنا كان له من المبررات ما جعله قرارا ذا بال.

فأسبوعية الحدث الشرقي لها من الكفاءات البشرية ذات التكوين العالي ولا فخر، ما يجعلها تضاهي الأسبوعيات الوطنية، وتنخرط في ديناميكية الإعلام الوطني بكل تلويناته وتبتعد شيئا ما عن الانزلاقات التي باتت السمة البارزة لمجموعة من المنابر الجهوية.

صحيح أن الإعلام الجهوي هو الأصل وأنه كان في السابق مسلكا من مسالك الديمقراطيات العتيدة ، لكن حينما يتهاوى الإشعاع الذي يعطي قيمة للشيء المنبعث منه، يتساوي الماس مع التراب‏..‏ ويتساوي ماء النهر مع بقايا المستنقعات. وهذا الشئ الذي يضئ ويشع يمنح صاحبه المصداقية والجلال والهيبة.. ومن هذه الهيبة نعرف قيمة هذه الأشياء.. فالصحيفة ليست مجموعات من الأخبار والمقالات وليست عددا من الصفحات المتنوعة بتنوع أغراضها  ولكنها مصداقية ووجه من أوجه الديمقراطية وموقف جاد وإحساس بالمسؤولية.. وحين تسقط هيبة الإعلام تتحول إلي مجرد أشباح تتحرك في فراغ سحيق.. وحين يتحول الإعلامي الي بهلوان يفقد احترام القراء ولا يجد منهم غير النكران والجحود.. وحين يسقط عرش صاحبة الجلالة يسقط معها موكب الحقيقة وقدسية الخبر.. هذا يعني أن الإعلام يستمد القيمة من الأثر وحين يفقد القيمة يتراجع الدور والأهمية..
إن آفتنا اليوم تتمثل في فساد بعض المحسوبين على الإعلام الجهوي والشيخوخة المبكرة التي أصابت بعض المنابر والمواقع الجهوية، ولا غرابة أن نرى منابر بلا مقرات وصحافة بلا صحافيين ولا غرابة أن تصلنا أخبار المتابعات القضائية  لصحافيين في قضايا النصب والاحتيال، وتزكمنا مظاهر الابتزاز وتغيير الحقيقة والانغماس في حمأة الفساد، خصوصا مع تطور تكنولوجيا الاتصال وشيوع ثقافة نشر الأشرطة على مواقع التواصل الاجتماعي أو اليوتوب مصحوبة بالتعاليق الني لا تكون بريئة، و إنه وجه من أوجه غياب صوت الحكمة، وعندما يغيب صوت الحكمة يتبدل السدنة والكتبة والعرافون إلى طبالين وعازفي المزمار، وإذاك يبقى أمر إمعان النظر في مرآة الحقيقة آكدا في الوجوب، لتظهر المثالب والعيوب بكل الوضوح اللازم، ولتفادي المفاجآت التي قد يحملها الآتي من الأيام، فالكلمة والرأي والصورة  باتت سيدة العالم، تصنع حالة، وتقدم واقعا وربما تملي موقفا، إنها أقوى الإرادات في عصرنا وأقوى مواقع التأثير وأشدها خطرا، ذلك ما نؤمن به ونبوح في عيد ميلاد الحدث الشرقي.

إن هذا التكدس الرهيب في المواقع الالكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي والهاتف المحمول، عوض أن يسهم في تنوير المجتمع المغربي أسقطه في مستنقع من الإسفاف والانحدار وغياب المفاهيم والمسؤولية .. لقد لعب الإعلام الجهوي منذ ظهوره في العالم دورا كبيرا في إشاعة الخبر وتقديسه، وإحاطة التعليق والتحليل بقدسية الحرية البناءة.. هذا الإعلام استطاع  في بدايته أن يكون صاحب دور ورسالة، وبقدر ما صال وجال في معارك اجتماعية وسياسية وفي محطات متعاقبة، بقدر ما سقط مرة واحدة في مستنقع الإسفاف أمام فهم خاطئ للحرية، كما سقط في مستنقع الابتزاز أمام تفشي ظاهرة الاسترزاق الصحفي. إن الإعلام الجهوي يخسر كل يوم الكثير من قواعده وآثاره وثماره المرجوة أمام كم كبير وخبرات هزيلة وغياب تام لأهم عناصر الممارسة الإعلامية وهي القيمة والمسؤولية .

فتحية صدق ووفاء لقراء الحدث الأوفياء، وتحية خاصة لكل الصحافيين الذين سبق لهم أن أسهموا في ميلاد أعدادها المختلفة سواء منهم الذين غادروا مقطورة الحدث أو الذين لا زالوا يمارسلون فعل الكتابة والمتابعة الصحفية بمختلف نقط الجهة، لم تشل الصعاب من إرادتهم في اقتناص الخبر وصنع الحدث، شعورهم هو شعور الجريدة ككل “إننا واعون بالمسؤولية الملقاة على عاتقنا، ومؤمنون بالحلول المنبثقة عن إدماج الإعلام الجهوي والمحلي في مقطورة الإصلاح” وخاصة الصحفية المقتدرة حفيظة بوضرة، فألف تحية وتحية لكل الزملاء والزميلات الذين صنعوا مادة الحدث على طول السنوات العشرين الماضية، وكل عام وأهل الحدث وقرائها بألف خير.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.