Home > الحدث > الحدث الجهوي > الخط الأحمر: أحكام قسم جرائم الأموال بفاس هل هي بداية زلزال سياسي على مستوى الجماعات الترابية؟

الخط الأحمر: أحكام قسم جرائم الأموال بفاس هل هي بداية زلزال سياسي على مستوى الجماعات الترابية؟

زهر الدين طيبي:

لا حديث في المقاهي وفي صفحات الفضاء الأزرق، منذ زوال الأربعاء الماضي، إلا عن الأحكام الصادرة عن قسم جرائم الأموال بفاس على مستوى غرفة الجنايات الاستئنافية، على خلفية الملف المعروف بملف المجلس الأعلى للحسابات، الذي سبق وأن رصد العديد من الخروقات والاختلالات على مستوى جماعة مدينة وجدة، والتي تهم العديد من المجالات ضمنها تزفيت الطرق.

وقد قضت غرفة الجنايات الاستئنافية ببراءة عدد قليل من المتابعين الخمسة عشر، فيما أدانت الآخرين في ملف اختلالات جماعة وجدة بالحبس النافذ، ضمنهم بعض المنتخبين والمهندسين، وبعض مسيري المقاولات ومكاتب الدراسات، حيث وزعت المحكمة أحكاما تراوحت بين البراءة والحبس النافذ لمدة سنتين،  وبرأت المعنيين ابتدائيا، قبل أن يستأنف الوكيل العام الحكم.

وكانت النيابة العامة، قد تابعت المتهمين في هذا الملف، بعدد من التهم كل حسب المنسوب إليه، وهي تهم المشاركة في تبديد أموال عمومية، وتلقي عن علم أوامر بتحصيل أموال تتجاوز المستحق، وجناية تبديد أموال عمومية، وصنع شهادة تتضمن وقائع غير صحيحة، والمشاركة في تلقي عن علم أوامر بتحصيل أموال تتجاوز المستحق.

طبعا، لا يزال أمام المدانين بهذه العقوبات فرصة نقض الحكم أمام محكمة النقض، وأمام المعنيين الذين توبعوا في حالة سراح، أجل عشرة أيام حسب القانون لتقديم الطعن أمام محكمة النقض. وبغض النظر عن تفاصيل الأحكام الصادرة، نتساءل عن القراءة الممكنة لهذه الأحكام، في هذا الظرف بالذات، ونحاول تفكيك بعض المعطيات السياسية، على اعتبار أن الحكم ليس نهائيا، رغم كونه استئنافيا، وعلينا انتظار قرار محكمة النقض التي تعتبر محكمة قانون، ليس بإمكانها تبرئة المتابعين، ولكنها فقط تحاول أن تتأكد من مدى احترام المساطر وتطبيق القانون، في إطار ضمان حقوق المتهمين الذين يعتبرون أبرياء إلى أن تثبت إدانتهم بشكل نهائي، وأقصى ما يمكن أن يحصلوا عليه المدانون على مستوى الاستئناف، هو قبول الطعن، لأنه في حالة رفض طعونهم تصبح الأحكام نهائية في حقهم.

ولو فرضنا جدلا أن محكمة النقض سوف تقبل طعونهم، فهذا يعني عودة الملف إلى غرفة الاستئناف بقسم جرائم الأموال لإعادة النظر في الملف من جديد، على أن تبث فيه هيئة غير تلك التي قضت بهذه الأحكام.

وبالنظر إلى الوزن السياسي لبعض المتابعين في هذا الملف، رئيس جهة الشرق، ورئيس جماعة وجدة الذي هو في نفس الوقت برلماني بمجلس النواب، لابد من طرح بعض الأسئلة في سياق محاولة استشراف المستقبل الانتخابي.

بداية، لابد من التذكير أن هذا الملف تعود تفاصيله الأولى إلى تقرير للمجلس الأعلى للحسابات حول الفترة الممتدة ما بين 2006 و2009، كما أن هذا الملف كان قد فتحه وزير العدل والحريات السابق مصطفى الرميد، بعدما حدد قضاة جطو ما يزيد عن 4 ملايير سنتيم، شكلت نسبة الاختلالات المالية التي رصدها المحققون في أشغال التهيئة الحضرية لمدينة وجدة، التي خصص لها مبلغ 24 مليار سنتيم، 20 مليارا منها ممولة من صندوق التجهيز الجماعي، من هنا لابد من التوضيح بأن رئيس مجلس جهة الشرق، يتابع في هذا الملف كمقاول حصل على صفقة من جماعة وجدة، وليس كمسؤول عن رئاسة مجلس جهة الشرق، كما أن هذا الملف دخل فيه الرئيس الحالي لجماعة وجدة في الوقت بدل الميت، حيث كان قد وصل إلى رئاسة الجماعة في يوليوز 2009، وكل الصفقات المعنية تمت على عهد سلفه، ولكنه تسلم بعض الأشغال والآليات كرئيس للجماعة.

ودون إصدار أحكام بالإدانة في حق أي شخص، لأن ذلك الأمر من اختصاص القضاء وحده، نحاول فقط تفكيك الانعكاسات الممكنة على الحياة السياسية لكل من رئيس جهة الشرق، ورئيس جماعة وجدة.

على مستوى الانطباع العام، يمكن القول بأن المواطن بدأ يلمس نوعا من العدالة الجنائية، مفادها أن الكل سواسية أمام القانون، من الغني إلى الفقير، والمسؤول المنتخب والموظف، وهو ما يعني إذا ما استمر فتح ملفات الجماعات الترابية أننا مقبلون على زلزال سياسي يزعزع أركان الجماعات الترابية والمنتخبين.

أما على المستوى القريب، يمكن الجزم بأن الأوراق السياسية لكل من رئيس جهة الشرق ورئيس جماعة وجدة، تبعثرت، حتى لا نقول إنها احترقت، لأنه حتى في أفضل الحالات، لو تم قبول الطعن بعد سنة على الأقل من الآن، بالنظر إلى ثقل الملف والوثائق المتضمنة، خصوصا وثائق المجلس الأعلى للحسابات، وبالنظر إلى عدد المتابعين (15)، فإن المدانين لن يحصلوا على البراءة من محكمة النقض، ولكن قبول الطعن سوف يعيد الملف إلى نقطة الاستئناف، أي إلى تاريخ نوفمبر 2017 تاريخ الحكم الابتدائي بالبراءة، على أن تتشكل هيئة مغايرة للنظر فيه، وهو ما يعني جلسات أخرى وتأجيلات وسماع شهود، قبل النطق بالحكم، وهذا لن يتم في أحسن الأحوال قبل سنتين من الآن، وهو نفس الموعد الانتخابي، وبالتالي سوف يكون من الصعب قبول ترشيح المدانين دون الإدلاء بالبراءة، على اعتبار أن الحكم الصادر في حقهم ناتج عن قرار استئنافي، وليس عن حكم ابتدائي، كما أن السلطة قد تلجأ إلى تطبيق مبدأ الخطأ الجسيم، ومنع ترشيحهم لولايتين متتابعتين، وهو ما يفيد بأن دخولهم السباق الانتخابي أصبح في حكم الصعب جدا إن لم يكن مستحيلا.

وبعيدا عن ذلك، من حيث الجانب الأخلاقي، وبالنظر إلى الأحكام، سوف يكون من الصعب إبراء ذمة المتابعين أمام المواطنين، خاصة أولئك الذين صوتوا لصالحهم، حتى لو حصلوا على البراءة، وبالتالي سوف تكون أوراقهم الانتخابية قد سقطت في مهب الريح، وهو ما قد يعتبر رسالة سياسية تمهد لشكل الخريطة المستقبلية على الأقل في وجدة وجهة الشرق، والفاعلين المحتملين، خاصة إذا ما تمت العودة إلى نمط الاقتراع الفردي عوض اللائحة، وهو ما سوف يضعف حظوظ حزب العدالة والتنمية، ويفسح المجال للأعيان.

قد يكون من السابق لأوانه القول بأنه إعدام سياسي، ولكن لابد من التقاط الإشارات التي لن تكون الأخيرة حتما، ما دمنا نطمح سويا لتحقيق عدالة جنائية تتابع كل من ثبت تورطه في تبديد المال العام، خاصة الذين استفادوا من مراكزهم وأصبحوا أثرياء على حساب الوطن، ولا زالت يد العدالة لم تطلهم، كما أننا ننتظر إشارات لاحقة على مستوى تنزيل مفهوم العدالة الجبائية.

في آخر المطاف، نحن في حاجة إلى ربط المسؤولية بالمحاسبة، وفتح ملفات جميع الجماعات الترابية على المستوى الوطني، كما هو الشأن بالنسبة للمؤسسات العمومية، للقطع مع كل أشكال الفساد، بالمتابعة والزجر، لضرب الفساد بيد من حديد، مع ضرورة استرجاع كل المال العام المنهوب، والذي تم تبديده لخزينة الدولة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.