احدث المقالات
Home > كتاب الحدث > الافتتاحية > الافتتاحية: عبدة الدم

الافتتاحية: عبدة الدم

بقلم: عبد المنعم سبعي:

أحداث إرهابية مهولة اهتزت لها نيوزيلاندا الجمعة الماضية عشرات القتلى وعشرات الجرحى، عملية إرهابية ضخمة عنوانها الكبير الاسلاموفوبيا، حلقة جديدة من مسلسل غريب اسمه العمليات الإرهابية التي لا يسع أي إنسان عاقل متحضر إلا أن يشجب تفاصيلها، غير أن أحداث مسجد نيوزلاندا، لا بد لها أن تستوقفنا لنتلمس من خلالها بعض العبر والدروس أو بعض المفارقات التي تغذي الفكر الإرهابي بمزيد من الوقود.

تمكن الإرهابي النيوزلاندي من قتل حوالي خمسين مسلما كانوا يؤدون صلاة الجمعة، وتألم من تألم من المسلمين وتظاهر من تظاهر بالإدانة والتنديد، ولم يكن هذا الإرهابي إلا صنيع منظومة المجتمع الجديد، الذي انهارت في فصوله الأخلاق والقيم، وتولدت مكانهما الكراهية والتحريض، فمن يتحمل مسؤولية هذا الواقع المشحون برفض الآخر، وكراهية المخالف؟ هل هي مواقع التواصل الاجتماعي التي تحملت مهمة التربية والتنشئة مكان الأسرة والمدرسة؟ أم أولئك المنظرون في مجال التاريخ ومقارنة الأديان المصاحبة للفكر العولمي الجديد؟ أم أن المسؤول هو ذلك الشاب الذي تأبط البندقية وتوجه إلى مسجد صغير وقتل اكبر ما يمكن قتله؟

إن العالم الذي أفلح في القضاء على إمبراطوريات شريرة؛ كألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية، وأنهى أنظمة عنصرية، يقف اليوم عاجزاً عن معالجة إمبراطوريات التطرف التفاعلية على مواقع التواصل الاجتماعية، وحادثة المسجد في نيوزيلندا علامة خطيرة أخرى على كيف تمدد التطرف والعنف والكراهية وخرج عن مناطق النزاعات التقليدية في الشرق الأوسط ومجتمعات الصدام السابقة في أوروبا إلى أصقاع بعيدة بعد نيوزيلندا. وهي مؤشر على أن كثيراً من الأحداث مثلها مقبلة، إلا أن يتحرك العالم معاً لمعالجة المرض بالقضاء على مستنقعات الكراهية التي يتكاثر فيها الإرهاب.

فعندما كان المجال العربي والإسلامي مسرحا للاقتتال والإرهاب وكانت عقيدة الدم تترسخ يوما بعد يوم في نفوس عبدة القتل، كان الغرب يعتقد أنه في منأى عن هذه الظاهرة، وأن هذا الأمر شأن خاص بدول متخلفة تحارب بعضها بعضا، تحت شعارات دينية أو عرقية أو قومية، وتصور الغرب أن الإرهاب بصورته الإسلامية والعربية مستحيل الحدوث في عواصم العالم المتقدم، وأنه سينحصر في مجالات خاصة من الشعوب المتخلفة التي سيصفي بعضها بعضا… فدفعت هذه الشعوب أموالها لشراء الموت وستدفع أضعافها لإعادة البناء واستمرار الحياة ولم يسمع الغرب لصيحات متتالية كانت تحذر من مخاطر الإرهاب وأنه صناعة عالمية لا وطن له،  وأنه سيدق يوما بعنف أبواب العالم المتقدم، فوصلت الرسالة اليوم إلى نيوزلاندا مثلما وصلت السنوات الماضية عواصم أوربية كثيرة، تؤكد أن الإرهاب بلا وطن، وأنه قادر على أن يصل أي مكان في العالم المتحضر، فوصل بالفعل إلى أبعد نقطة، غير أن  ثمة مفارقة عجيبة وهي أنه كلما كان المستهدف من العمليات الإرهابية الجنس الغربي كلما كانت الصيحات عالية وكانت ردود الفعل حازمة وآنية، وكلما كان المستهدف المواطن العربي المسلم كلما كانت ردود الأفعال محتشمة وبيانات الاستنكار يشتم منها رائحة النفاق، وهذا ما يؤكد أن الدماء الأوربية هي دماء مختلفة عن الدماء العربية، لهذا اهتز أركان العالم لضحايا باريس وبروكسيل لأنهم ليسوا كباقي الضحايا من العالم المتخلف، فعيونهم زرقاء ودماؤهم ليس كباقي الدماء، وهذه المفاضلة في التعاطي مع العمليات الإرهابية هي التي تؤكد أن العدالة  الغائبة في كل شيء سوف تفتح ألف باب  للإرهاب ..  أحداث متشابهة وأرواح  بريئة هنا وهناك ولكن حتى فى الموت  هناك حسابات ومواقف  ومصالح متعارضة..

المؤكد أنه منذ أن بسط قابيل سلاحه لقتل أخيه أنانية واستحواذا.. بدأت صناعة الموت وثقافة الموت التي لم تتوقف لحظة على سطح البسيطة.. واكتمل المشهد التراجيدي بأنْ علّم الغراب ابن آدم كيف يواري سوءة أخيه بعد أن قتله.. منذ تلك اللحظة وللموت طقوس ومسعّرون. الموت اليوم لم يعد تعبيرا عن نزوة فردية وانعكاسا  لغضب استبدّ  بصاحبه.. إن الموت الآن صناعة يقوم بها أناس وهم في كامل لياقتهم البدنية  والعقلية، وهم يسلكون هذا النهج  لتحقيق المزيد من الثروة وإلهاء الضعفاء، جنبنا الله كيدهم.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.