احدث المقالات
Home > كتاب الحدث > الافتتاحية > الافتتاحية: مدرسة تسير نحو الحائط

الافتتاحية: مدرسة تسير نحو الحائط

بقلم :عبد المنعم سبعي:

نفذ قطاع التعليم إضرابا وطنيا يومي الأربعاء والخميس الماضيين، ومن المنتظر أن يستجيب المضربون للمحطة الثانية المقررة أيام 26 و27 و28 من الشهر الجاري، كما دعا إلى ذلك التنسيق النقابي الخماسي من خلال بلاغ صادر عنه عبر فيه عن قلقه الكبير تجاه ما يعرفه الوضع العام من تراجع على صعيد الحقوق والحريات النقابية، وضرب المكتسبات، وما تعرفه الساحة التعليمية من تزايد متصاعد لمنسوب الاحتقان، ووتيرة الاحتجاجات التي تهم العديد من فئات الشغيلة التعليمية، دفاعا عن مطالبها وهو ما ينعكس بالسلب على أداء المنظومة التربوية واستقرارها، ويؤكد على ضرورة فتح حوار قطاعي حقيقي يفضي إلى نتائج ملموسة تستجيب لانتظارات، ومطالب الشغيلة التعليمية بكل فئاتها، ويكون من مخرجاته إخراج نظام أساسي موحد، عادل ومنصف للجميع. ونبه التنسيق النقابي الخماسي إلى خطورة استمرار هذا الوضع، ويعتبره نتيجة حتمية لاختيارات الدولة تاريخيا، ولتماطل الحكومة والوزارة في الاستجابة لمطالب الأساتذة.

المؤكد أن قطاع التربية والتكوين ليس على ما يرام، والمؤكد أيضا أن المدرسة العمومية تسير بخطى حثيثة نحو الحائط، فالأساتذة المتعاقدون رغم خطوات الحكومة لازالوا مصرين على الإضراب، والقيم داخل المدارس تنفلت حبات سبحتها يوما بعد يوم، وجل الأساتذة الذين بلغوا سن التقاعد النسبي قرروا الفرار بجلدهم، وبقيت الحكومة حائرة من أمرها فلا هي قادرة على تلبية مطالب الشغيلة التعليمية وضمان المناخ المناسب للاشتغال، ولا هي بلغت درجة من الرشد لتقول للمؤسسات الدولية المانحة والمنظمات العالمية غير الحكومية إن لنا خطوطا حمراء لا يجب تجاوزها، كل شيء استبيح في المدرسة المغربية حتى عاد المدرس الذي يتوجه إلى القسم كمن يتوجه إلى حبل المشنقة..

كنت أنتظر من التنسيق النقابي الخماسي أن يشير في بلاغه إلى هذه الحالة البئيسة التي تعيشها المدرسة المغربية والحالة النفسية المتردية التي وصل إليها المدرس، كنت أعتقد أن البلاغ سيشدد على مسألة القيم التي تدنت إلى الدرك الأسفل ويناقش بعض القضايا الكبرى التي أوصلت المدرسة العمومية إلى ما وصلت إليه من قبيل لغة التدريس والمناهج التي أفرغت من كل محتوى بناء حتى صرنا نتوجس من طبيعة الطفل والشاب والرجل الذي يتخرج من هذه المؤسسات، لكن ربما الوضع المادي المتردي لكثير من الأساتذة والفئات وتضررها بزيادة الأسعار على عهد هذه الحكومة والاقتطاعات المطبقة لإصلاح صندوق التقاعد أنسى التنسيق النقابي للوقوف على مثل هذه القضايا الجوهرية.

من أغرب ما قرأته عن تطور الفكر الفلسفي  ما أشار إليه تيودور أو يزرمان في كتابه ” تطور الفكر الفلسفي” أن أثينا في زمن اليونانيين القدامى كانت تعبد بوصفها آلهة الحكمة، وكانت تصور في النحت وإلى جانب قدمها بومة، باعتبار أن البومة كانت تعد طائرا مقدسا، ربما لأنها تستطيع الإبصار في الظلام، ولعل هذا الإبصار الخارق في الظلام، أي في غياب شروط الإبصار الطبيعي هو ما جر على الفلسفة اليونانية بعض الانتقادات لأنها كانت تنظر بالأسطورة وتطورها و تأسس الوهم على الوهم.

حال بومة أثينا لا تختلف في وظيفتها عن بومة تعليمنا اليوم، لأن كلتي البومتين رمز لتأسيس الوهم على الوهم، والتخيل على التخيل، وإن أكبر وهم تحاول حكومة العثماني تصريفه على أساس أنه عين الحكمة، هو اعتقادها أن حل مشكل الأساتذة المتعاقدين هو رأس كل دواء.

لا ننكر أن هذه الفئة أصابها من الحيف ما لم يصب باقي الفئات وأن تسوية وضعيتها من الأولويات، لكن هل مشاكل التعليم يمكن اختزالها في هذا الجانب دون النظر إلى جانب التكوين ونوعية المواطنين المتخرجين سنة بعد أخرى؟

المؤكد أنه في وقت قصير من حيث الزمن تغيرت أشياء في حياة المغاربة حتى إن البعض يقول لو أن المغرب في الأعوام الثلاثين الماضية سارت بهذا الإيقاع وبهذه الانجازات لتغيرت صورة الحياة ووجدنا أنفسنا أكثر رخاء وعدلا ورفاهية، في زمن قليل أصبح لدينا شبكة طرق لم تشهدها المملكة من قبل وبلا ضجيج أو حفلات افتتاح كاذبة، وجدنا شبكة كهرباء وفرت لنا مصادر جديدة للعمل والإنتاج والحياة، وبدأت حشود المهمشين من سكان الأحياء الهامشية  تجد أملا في بيت نظيف وشوارع مرصوفة وحياة أكثر كرامة، وبجانب هذا كله هناك عشرات المشروعات التي تم انجازها في وقت قياسي في كل أرجاء الوطن..اعرف أن بناء الحجر أسهل كثيرا من بناء البشر، واعلم أيضا أن ثروة المغرب الحقيقية كانت طوال تاريخها في الإنسان، وان هذا النموذج الرفيع في الإنسان المغربي كان قياس التقدم والحضارة والرقى، ليس في المنطقة العربية ولكنه كان نموذجا فريداً في مصاف دول البحر الأبيض المتوسط .
إن إنشاء الطرق ضرورة لانتقال البشر، ولكن ماذا عن البشر؟ هنا أتوقف عند اخطر واهم قضايا المغرب وهى التعليم، مثل كل الأشياء التي دمرتها السياسات العشوائية المتخبطة، وقع التعليم في مصيدة رأس المال والتجارة وتشويه الشخصية المغربية في كل شيء .. نحن الآن نعيش واحدة من آخر المآسي التي مرت على التعليم في المغرب وهى ضرب حرمتها وحرمة العاملين.. لاشك أن التعليم أهم من كل شيء، كان الموظف البسيط يدخر كل شيء ليحصل ابنه على أعلى الشهادات وكان الفلاح المغربي يبيع آخر ما يملك من حطام الدنيا ليعلم الأبناء، وكانت الأم تعمل في البيوت وأبناؤها في الجامعات وفى ظل هذا المناخ تخرجت أجيال وأجيال، ومن بين أيدي الأم المغربية البسيطة التي لا تقرأ ولا تكتب خرجت رموز المغرب العظيمة في كل المجالات وشهد المغرب ميلاد وطن جديد على يد هؤلاء الآباء العظام وهؤلاء الأبناء القدوة والنموذج، لا اعتقد أننا يمكن أن نؤجل قضية التعليم أكثر من هذا. نحن أمام نموذجين متعارضين تماما في كل شيء، نحن أمام التعليم المجاني الذي لم يعد مجانيا أمام الدروس الخصوصية في المدارس والثانويات والجامعات، وأمام إمكانيات علمية ودراسية تخلفت منذ سنوات عن العصر، ولا يعقل أن مختبرات كلية علوم جامعة محمد الأول لم تشهد تطويرا منذ أيام تأسيسها بداية ثمانينيات القرن الماضي، إن التعليم يحتاج إلى ثورة في المناهج والمختبرات والمدرجات، وينبغي أن يسبق كل مجالات الإنفاق في الدولة المغربية. فما قيمة الآلاف الذين يتخرجون من الجامعات ويحصلون على الشهادات العليا وهم غير مؤهلين علميا آو وظيفيا أو مهنيا ..؟ وما هي القدرات التي اكتسبوها في المختبرات أو المكتبات أو من خلال مراجع انتهى عمرها الافتراضي؟ إن التعليم المجاني لا يحمل من المجانية إلا الاسم فقط، انه بلا مقابل للدولة وخزينتها، في حين انه لا يقدم النموذج الصحيح لخريج الجامعة في كل المجالات .. لدينا كليات للعلوم والهندسة والطب ونحن نعانى من التخلف في جميع المكونات البشرية والمهنية. ماذا نفعل كل عام بالآلاف الذين حصلوا على الشهادات الجامعية حيث لا عمل ولا خبرة ولا قدرة على الإنتاج .. إن الجامعات تشكو من انحدار المستوى الفكري واللغوي والثقافي لخريجيها لأنهم لا يتحدثون لغة العصر ولا يتابعون ما جرى فيه، كانت مجانية التعليم في يوم من الأيام حصنا من حصون العدالة الاجتماعية في المغرب والآن أصبحت عبئا على الأسرة والدولة والطاقة البشرية التي كانت اكبر مصادر الثراء في المجتمع المغربي .. إن مجانية التعليم تحتاج إلى ثورة في كل مكوناتها المالية والدراسية ومناهجها ومستوى التدريس فيها، ولابد أن تكون لنا وقفة من اجل برامج تعليمية تناسب العصر وتتحدث لغته، لكن دون أن نزيد من إرهاق ميزانيات الطبقات الفقيرة والمتوسطة، فكفى استهتارا بآمال وأحلام أبناء هذه الطبقة من الشعب المغربي..

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.