احدث المقالات
Home > الحدث > دعوة لاستنهاض النخب التنويرية..!

دعوة لاستنهاض النخب التنويرية..!

بقلم: الأستاذ خليل غول

إن انسحاب النخب من دورها الثقافي والتنويري ذي المرجعية العقلانية الحداثية، أصبح يدعو للحضور والسيادة، أكثر من أي وقت مضى. حضور للحقائق التي تفرض نفسها على الكل. حقائق في صفائها، وباعتبارها حقائق لا تعترف إلا بأحكامها كأحكام عقلانية موضوعية، تستمد قوتها ومناعتها من العقل فقط.

المجتمع أصبح يلبس ثوبا رثا، ويتوارى في قيمه وثقافته وأحكامه، التي لا تنهل أو تتغذى إلا من الماضي المشبع في كثير من الأحيان ب “قدسية” الأساطير وسلطنتها، وسيادة العنف، بل وتردي منظومة القيم، إلى أبعد مداها، في مختلف المؤسسات المجتمعية والتواصلية.

أصبحت البنية المجتمعية سلطة عقيمة من حيث البناء العقلاني بأحكام معطاة. تصطف بين طوابيرها قضايا وتمثلات، لا يجب المساس بطبيعتها الدخيلة على العقل. بل أصبحت تناهضه، ضمن مواجهة مباشرة في كفاءته، إلى حد الطعن في مستخرجاته. وإنْ استَلهَم تعاليمه من الواقع أو العلم أو المنطق، أو من مساره الثابت نحو المستقبل واستشراف لحظاته.

إن هذا التوجه أو النزعة الاستسلامية، أو المتفرجة من طرف النخب التنويرية، على تقزيم العقل ومناهضته، أصبحت تبصم على هوية استسلامية، بل وأحياناً انتهازية، خارج مسار العطاء، في اتجاه التصحيح أو التغيير، كدور أساسي لهاته النخب، وكواجب أخلاقي بالدرجة الأولى.

أقول هذا الوضع السلبي، في منظومتنا الفكرية، (حتى لا أقول الثقافية)، هو فيصل بين قناعاتنا وقناعة أبناء العم سام.

ففي الوقت الذي اختار فيه الغرب البناء والتنمية، وتحرير الفكر من الأوهام التي ظلت عالقة به، بغية إعطاء الدلالة الفعلية للوجود الإنساني، فقد تسلحوا بالعلم والعقل، وتوجهوا نحو المستقبل، ومواجهة كل ما من شأنه أن يقوّض العقل وأحكامه، كسلطة وكحقيقة، لا ينازعها اثنان. وصارت إمداداتهم الفكرية تنتج الحقائق كبديهيات ساطعة، محررة العقل من الأوهام التي تروم الالتصاق به وبمبادئه. وتم تطليق ما يتعارض مع مقومات المنطق، بل إدراجها في رفوف، أصبحت تنتسب لمراحل من الماضي، متوجهة صوب صناعة الإنسان القوي بمرجعيته العقلانية داخل المجتمع، أو في علاقته بالآخر.

إذا كان الأمر كذلك في الضفة الأخرى بدغمائيته وإيديولوجيته، فإن المسألة غير قابلة للمقارنة مع كياناتنا المتردية التي اختارت الماضي لتنبش فيه. فاختلفت التقديرات والتأويلات للنصوص، وافترقنا شيعا ومذاهب، وأصبحت الفتاوي تتباين وتتناقض وتتعالى، والتصنيفات التكفيربة تتسع، كل طرف أو فصيل بدغمائيته وإيديولوجيته، يعتقد لنفسه امتلاك الحقيقة المطلقة، دون سواه. فكان واقعنا الحالي على ما هو عليه الآن، ينتج البؤس الفكري في مجمله، بنظرة ضبابية للمستقبل، ممزقاً في كل مكوناته، ومنحني أمام فكر يتغذى من الإديولوجيات المتلاشية الزائفة، التي اكتسحت كل موقع، بعد صمت وانسحاب أو اختفاء النخب التنويرية..!!

النخب العقلانية، التحررية، دخلت في مجملها، في نوع من المحاباة للجاهز المعطى الذي يتغذى من انحباس واعتقال للعقل العالِم (بلغة اركون). وأصبحت نخبا محتشمة أو منسحبة من الشأن الفكري الثقافي الإنساني، وكأنها تبارك اغتيال العقل وأحكامه.

إنها أمام هذا التردي، وجدت نفسها منكمشة على ذاتها، متفرجة على القوافل المتردية التي تتنامى، وكأنها لا مسؤولية لها في ذلك، أو لم تجد ذاتها الفردية المستقلة، في سياق المجتمع أو العصر.

إن دور المفكر العقلاني، أمام الكل التاريخي، مسؤوولية أخلاقية – إنسانية، لا بد من الوفاء لها، والعمل على توطيد دعائمها، داخل المجتمع والعصر، ومواجهة كل الضربات الموجعة للعقل والعلم، وسيادة الحقيقة النسبية، التي تتوق دوما الإنتاج وإعادة الإنتاج (بلغة بورديو)، للحاضر، والتحكم في المستقبل.

إن التخلي عن هذا الدور المسؤول، ما هو إلا مؤامرة ضد العقل والمنطق، وضرب مقوماتهما من الداخل، وفي الصميم، دون الارتباط بقضايا المجتمع أو العصر، بل العمل على تزكية فكر وثقافة مترديين بنزعة إطلاقية، مصطنعة.

إن انسحاب المفكر التنويري من مهامه، هو مؤامرة ضد حتمية التاريخ، واغتيال للحاضر والمستقبل، في صفائهما. وضرب لقيم الإنسان الفعلية، التي يفترض أن تتغدى بالعقل كمناعة ضد تبخيسه وتبليده واستسلامه، من أجل حاضر صلب، ومستقبل مؤهل حتما للبناء والوضوح.

المجتمع القوي في بنائه، مؤسس على العقل والعلم والمنطق، وهو ما يحرص مناعته، ضد كل من يروم المساس بأفقه المستنير.

إن النخب التنويرية، من كتاب ومثقفين وفنانين وأصوات منبرية، عموماً هي مرآة المجتمع وصوت العصر. وبتعبير كارل ماركس، هي العصارة أو الخلاصة الروحية لعصرها وزبدة زمانها. وليست ملكية لذاتها. وبالتالي فهي ليست مفصولة عن قضايا المجتمع والعصر، وراهنية الإنسان وطموحاته المنفتحة على الآخر والعالم وكينونة هذا الوجود.

إنها ما ينبغي أن يكون في صلب هذا الاهتمام. وكل تخلف عن هذا الدور، هو سقوط إرادي في انتهازية مكشوفة، وغياب لأدوار تاريخية أخلاقية، تجاه ما يوطد سلطان العقل وصلابة المجتمع، والتوجه بثبات نحو مستقبل حثيث، ومضمون من حيث الأفق الواضح والمانع، لكل ما يمكن أن يبعثر مسالكه. بذلك فهاته النخب ليست مفصولة عن قضايا المجتمع والعصر أو راهنية الإنسان وطموحاته.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.