احدث المقالات
Home > الحدث > الحدث الجهوي > الخط الأحمر: سئمنا الرداءة وإقصاء الكفاءات

الخط الأحمر: سئمنا الرداءة وإقصاء الكفاءات

زهر الدين طيبي:

لماذا بدأت تسخينات الأحزاب مبكرا استعدادا للانتخابات؟ هل ستكون انتخابات سابقة لأوانها أم هي مجرد استعدادات للانتخابات العادية في 2021؟ كيف نفسر دعوة بعض الأحزاب لنقاش عمومي حول تعديل الدستور؟ وهل يمكن اعتبار مطالبة بعض الأحزاب بتغيير نمط الاقتراع مطلبا بريئا؟

المتتبع للمشهد السياسي المغربي يدرك بسهولة أن بعض الأحزاب دخلت مبكرا وعلى بعد سنتين ونصف عن موعدها، في سباق الانتخابات المقبلة، بالنظر إلى تحركات أحزاب بعينها وتجمعاتها المتواصلة وهيكلة لجن انتقاء المرشحين المحتملين من الآن، ولعل هذا الأمر يوحي بأن الحكومة الحالية لن تكمل ولايتها حتى 2021. تحركات حزب التجمع الوطني للأحرار المتكررة والمنظمة في مختلف الجهات والمدن، وكذا الخروج المتكرر لعبدا الإلاه بنكيران لانتقاد زعيم التجمعيين يشي بأن أمورا تدرس في الخفاء في صالونات الأحزاب.

في نفس الوقت وليس من باب الصدفة إطلاقا، يعلن حزب الأصالة والمعاصرة نهاية الأسبوع الماضي، عن إطلاق مبادرة تتوخى فتح النقاش بين الأحزاب حول أهمية إجراء تعديل دستوري، يركز بالأساس على الفصل 47 الخاص بتعيين رئيس الحكومة من الحزب الذي يتصدر الانتخابات. عودة الجدل من جديد، حول (الفصل 47) من الدستور، وهو الفصل الذي ينظم العلاقة بين مكونات السلطة التنفيذية، وبالتحديد على مستوى علاقة الملك بالحكومة، على مستوى مسطرة تعيين رئيس الحكومة وإعفائه، تثير الكثير من التساؤلات بالنظر إلى ما وقع في تجربة الحكومة الثانية من بلوكاج أضاع على المغرب ستة أشهر من الزمن السياسي، ولكنه يفتح المجال لإمكانية وصول الحزب الثاني أو تحالف حزبي إلى رئاسة الحكومة مستقبلا، وهو ما لا يسمح به حاليا هذا الفصل الدستوري المؤطر لعلاقة السلطة التنفيذية بالملك. حكيم بنشماش، الأمين العام لحزب، الأصالة والمعاصرة لم يتردد بمناسبة الندوة الوطنية التي انعقدت السبت 2 مارس، بالرباط حول النموذج التنموي، في وصف ترؤس الحزب المتصدر للانتخابات للحكومة “بالقدرية المفروضة على الشعب باسم شرعية انتخابية لها ما لها وعليها ما عليها”، ليطالب بإعادة طرح المشكل الذي يكبل المغرب، ويضيع فرص التقدم إلى الأمام على طاولة النقاش العمومي، حسب تعبيره.

إذا أضفنا إلى هذه المعطيات، دعوة بعض الأحزاب كالاتحاد الاشتراكي لتغيير نمط الاقتراع بالعودة إلى التصويت الفردي الأحادي، عوض التصويت باللائحة. والحملة الواسعة لدفع أغلب الأحزاب إلى تبني هذا الملتمس الرامي إلى اعتماد نظام الاقتراع الاسمي الأحادي الفردي، عوض اللائحي، قد تكتمل الصورة، لاستشراف المستقبل القريب ليس فقط بتعديل حكومي ولكن ربما بالدعوة لانتخابات سابقة لأوانها وفق أجندة تكون خطوطها العريضة قد وضعت مسبقا.

لكن يبقى السؤال هو، هل نحن حقا في حاجة إلى تعديل دستوري أم إلى إعادة تشكيل المشهد الحزبي وفق ضوابط جديدة تسمح بتجديد النخب لمواكبة مطالب المجتمع؟ يمكن الجزم أننا لا نحتاج في المغرب لكل هذا الزخم والعدد الكبير من الأحزاب مقارنة مع الدول العظمى والديمقراطيات العريقة، أمريكا 320 مليون نسمة تتوفر على حزبين، ألمانيا 81 م/ ن 10 أحزاب، بريطانيا 64 م/ن 11 حزبا. من هنا نتساءل: هل يعرف المواطن أسماء كل الأحزاب الموجودة، أم أن النخب المثقفة بدورها تفاجئ أحيانا بوجود أحزاب تجهل كل شيء عنها؟ وهل الاحزاب التي لم تستطع توفير مناضلين لتغطية ولو نسبة صغيرة من الدوائر الانتخابية يمكن اعتبارها احزابا تؤطر المواطنين، أم أنها فقط تريد البقاء من أجل الاستفادة من دعم الدولة؟ ألم يحن الوقت للتفكير في أقطاب وتحالفات سياسية قوية تؤطر المواطنين وتتناوب على السلطة ديمقراطيا عبر صناديق الاقتراع؟

للأسف، تستمر الزعامات الحزبية عندنا في رفض مطلب تجديد النخب، في الوقت الذي ينخر فيه غياب المصداقية جل النخب السياسية بالمغرب، ولازال الخالدون في قيادات أحزابهم يتبجحون بالشرعية التاريخية أو النضالية للاستمرار في القيادة، رغم تقيح أفخاذ بعضهم من الجلوس على كراسي الزعامة، ومرور سنوات عجاف على وصولهم للقيادة سواء في الأحزاب أو النقابات. في الجانب الآخر نتساءل: أين وصلت تجربة الجهوية المتقدمة، وكيف يمكن الحديث عن مساهمة الجهات في التفاعل مع مختلف القضايا والإشكالات المطروحة، ببعض المنتخبين الأميين والموظفين غير المؤهلين؟ وهل يمكن لشبابنا العاطل والطموح انتظار المعجزات من فاقد الشيء؟ كيف يمكن المرور للسرعة القصوى بمنتخبين مسنين أكثر من 15,4% منهم أميون، وموظفون كل همهم الثراء الفاحش على حساب المال العام ومصلحة الوطن؟

للأسف الشديد لا يزال منطق القبيلة والعصبية والعائلة والقرب من الزعيم، هو ما يميز الحياة الحزبية عندنا، رغم صدور قانون الأحزاب الذي حاول تنظيم الممارسة الحزبية ووضع آليات اشتغالها، عبر توسيع مشاركة النساء والشباب في الأجهزة، ورغم إدراج التمثيلية الجهوية، تستمر أغلب الأحزاب خارج الصيرورة الجديدة، التي تفترض تجديد الحقل الحزبي في اتجاه تحديث وعقلنة الممارسة السياسية، بما تتطلب من ديمقراطية داخلية، وإشراك في اتخاذ القرار، والتناوب على تحمل المسؤولية. ما من شك أن العرض السياسي بوجود 34 حزبا، يتجاوز بكثير “الطلب المغربي” وهو ما تؤكده نسب المشاركة الضعيفة في الانتخابات، ولعل هذا يبرز بوضوح وجود قطيعة بين المجتمع وبين العملية الانتخابية. ليس أمامنا اليوم إلا أن نعترف بأننا فشلنا فشلا ذريعا في تجديد نخبنا باعتماد مقاربات سيئة، لهذا بات تغيير هذا الوضع اليوم مطلبا مستعجلا لتجديد الحياة السياسية وإعادة الارتباط بالجماهير، وقيام الحزب بوظيفته السياسية في التأطير والتنظيم، كما أن مغرب العهد الجديد لن تواكب طموحاته النخب الحزبية الضعيفة التي تفتقد لرؤية واضحة في صناعة القرار الجهوي، والتي لا زالت تدبر الجهات بمنطق الامتيازات والحسابات السياسية الضيقة، بعيدا عن التوجيهات الملكية.

لقد سئمنا الرداءة، وسئمنا إقصاء الكفاءات، لأن رحم الأمهات المغربيات لم ينجب غير نفس الأسماء لتحمل كل المسؤوليات الحزبية والسياسية والاستراتيجية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.