احدث المقالات
Home > كتاب الحدث > الافتتاحية > الافتتاحية: غيبوبة رئيس وحماقة نظام

الافتتاحية: غيبوبة رئيس وحماقة نظام

بقلم: عبد المنعم سبعي:

تمكن الرئيس بوتفليقة من وضع ملف ترشحه لرئاسيات الجزائر لعهدة خامسة، إن لم نقل تمكن من ذلك من يخططون للجزائر ويحركون الكراكيز من وراء الستار، ما دام بوتفليقة هو الوحيد على سطح الأرض الذي ربما يجهل أنه مرشح للرئاسيات، وواصل النظام الجزائري تعنته واستعراض عضلاته على الديمقراطية ضدا على كل الأصوات التي بحت من كثرة ما انتقدت ديمقراطية تسير بخطى محتشمة وعلى كرسي متحرك، ويسود نوع من الاستهزاء بالواقع السياسي الجزائري في صفوف الشباب الجزائري، يكبره حجم النكت التي أبدع فيها الجزائريون بصفة كاريكاتورية، ومن بين هذه النكت ما يتداوله هذه الأيام الشباب الجزائري على مواقع التواصل الاجتماعي، من قبيل أن بوتفليقة ليس واحدا وإنما هو ثلاثة نفر، الأول توجه لجينيف لتلقي العلاج، والثاني قدم ترشيحه للرئاسيات، أما الثالث فهو الذي أقال مدير حملته الانتخابية. كما تناقلت رسائل الواتساب أغنية عنوانها “وين وين”.

وواكبت هذه الحملة في مطلع هذا الأسبوع أكبر مظاهرات شهدتها الجزائر منذ انتفاضات الربيع العربي عام 2011، لكن هذه المرة بدأت تظهر تصدعات في أوساط النخبة الحاكمة التي تعتبر منيعة منذ فترة طويلة. وأدى العرض الذي طرحه الرئيس الجزائري يوم الأحد بتقليص مدة رئاسته بعد انتخابات أبريل إلى سحب بعض الزخم من الاحتجاجات التي بدأت أواخر الشهر الماضي غير أن طلابا ومجموعات شبابية أخرى لا تزال في الشوارع وبشكل مثير. والغريب في هذه الاحتجاجات هو انضمام بعض المسؤولين من حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم إلى عشرات الآلاف من الأشخاص الذين خرجوا يوم الجمعة من الأسبوع المنصرم لمطالبة بوتفليقة، الممسك بزمام السلطة منذ 20 عاما، بالتنحي هو ودائرته المقربة، وأعلنت تبعا لذلك عدة شخصيات عامة استقالاتها في بلد يجري فيه عادة تغيير المسؤولين خلف الأبواب المغلقة. نقف أولا عند الوزير السابق سيدي أحمد فروخي الذي كتب على الفيسبوك لدى إعلان استقالته من الحزب الحاكم والبرلمان “مهمتنا في هذا البلد هو أن نستمع.. أن نستمع وأن نتشرب الحكمة كي نواكب هذه الحركة الاجتماعية المهمة من أجل مستقبل بلدنا”. ثم بعد ذلك عرف منتدى رؤساء المؤسسات، وهو بالمناسبة رابطة أعمال يدعم زعماؤها بوتفليقة منذ فترة طويلة، استقالات مهمة تعاطفا مع المحتجين، ومن بينهم نائب رئيس المنتدى العيد بن عمر، وقال هو الآخر “إن الرابطة حادت عن رسالتها المتمثلة في المساعدة على قيادة البلد إلى مستقبل أكثر إشراقا”. وأضاف “مواجهة هذا التحدي تتطلب دعم الشعب أيضا… ”

المؤكد أن الاحتجاجات السلمية لم تؤد لحد الآن الإطاحة بالرئيس الذي تحوطه المشكلات، وهو أحد أبطال حرب، لكن الانسحاب المضطرد من دائرته المقربة مع تصاعد الاحتجاجات قد يُضعف موقفه، مما يثير مخاوف قادة الجيش الذين لا تزال تخيم على أذهانهم الذكريات المظلمة للحرب الأهلية التي دارت رحاها في التسعينات بعدما حمل الإسلاميون السلاح عندما ألغى الجيش انتخابات كانوا في طريقهم للفوز بها.

يذهب مراقبون إلى أن الجزائريين إن لم يفلحوا في تحقيق مطالبهم ستكون الجزائر قد خسرت الشيء الكثير، ويحتاج جيراننا لعشرات السنين ليستعيدوا شيئا من خسائرهم، لقد خسروا ثقة الناس الذين وقفوا مع الديمقراطية، وخسروا القضاء الذي عقدوا عليه كل الآمال لرد كيد أعداء المنتصرين لرأي الشعب، وخسروا الإعلام الذي انساق وراء أطروحة الجيش الجزائري وشوه الحقائق ولم يجرؤ على قول الحقيقة كعادته.

لقد تمكن بوتفليقة من البقاء في السلطة خلال احتجاجات الربيع العربي التي أطاحت بزعماء عرب بسبب ما كانت تتوفر عليه الجزائر من احتياطات كبيرة من العملات الصعبة مكنتها وقتئذ من زيادة الإنفاق الحكومي واسترضاء المواطنين. وما زالت ذكريات الحرب الأهلية المريرة تلازم الجزائريين من كبار السن وهو ما دفعهم لغض الطرف عن الإجراءات الصارمة بحق المعارضة مقابل الاستقرار. لكن المحتجين الشبان الذين لا تربطهم أي صلة حقيقية بهذه الحقبة من تاريخ الجزائر المعاصر قد نفد صبرهم في ظل ما يعانوه من البطالة والرشوة والفساد…

لقد أحرق النظام الجزائري آخر أوراقه في مواجهته مع ديمقراطيي البلد وشرفائه، إن معركة الشرفاء ليست مع صناديق الاقتراع ولا مع صغار الجيش ولا مع رؤساء الأحزاب التي لا تفلح إلا في ترديد الأسطوانة البالية التي يقول مطلعها كل الجزائريين عاجزون إلا الرئيس المريض شافاه الله… إنها معركة مع الذين أشعلوا فتيل الحرب بغرداية وباركوا الدم والقتل بالتفرج والتصفيق ليبقى الأمل معلقا على بوتفليقة ومن أشاع في الملإ، أنه يملك المفاتيح الخارقة لسد كل أبواب الفتن. إنها معركة مع الذين دبروا المقالب لكل الشرفاء ليبعدوهم عن السباق المحموم نحو قصر المرادية. إنها معركة مع الذين سرقوا أحلام رشيد نكاز خلال انتخابات سنة 2014 من باب المحكمة الدستورية الجزائرية لأنهم رأوا فيه منافسا لم يقبل بشروط اللعبة.

يتصور كبار القوم من الحكام الحقيقيين أن عودة بوتفليقة للمرة الخامسة إلى رئاسة الجمهورية هو تمهيد لاستمرار سياستهم الرامية لنهب خيرات البلد الغني بثرواته، أو لنقل إنه تمهيد لإعلان دولة الجنرالات المستقلة، وكأنهم انفصلوا عن الشعب ونسي هؤلاء أنهم حكموا الجزائر منذ استقلالها وأنهم فشلوا في إدارة شؤونها وأنهم ارتكبوا في حق الشعب الجزائري حماقة كبيرة حين تصوروا أنهم قادرون على إخراص كل صوت معارض، وإقصاء كل صاحب فكر أو رأي لا يتفق معهم. هؤلاء الجنرالات خسروا كل شيء، خسروا الماضي والحاضر ولا اعتقد أن لهم مكانا في مستقبل الجزائر.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.