احدث المقالات
Home > الحدث > الهجرة بالمغرب ورهان التدبير الترابي

الهجرة بالمغرب ورهان التدبير الترابي

عبد السلام أمختاري: رئيس جمعية ثسغناس للثقافة والتنمية ASTICUDE

كان المغرب على امتداد تاريخه فضاء لحركات الهجرة المختلفة، رغم أن الوعي الجماعي لم يستوعب بعد هذا المعطى التاريخي، فقد تحول المغرب تدريجيا في السنوات الأخيرة من بلد انطلاق للمهاجرين إلى بلد عبور واستقرار لعشرات الآلاف من المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء من مناطق مختلفة من العالم؛ خاصة من دول إفريقيا جنوب الصحراء. ومع تصاعد التدفقات البشرية العابرة للحدود، أصبح المغرب نقطة عبور رئيسية لأعداد متزايدة من المهاجرين الراغبين في الولوج إلى البلدان الأوربية. بيد أن السياسات الأوربية المقيدة للهجرات القادمة من دول الجنوب جعلت من المغرب محطة عبور وانتظار، ومن ثم أرضا للاستقرار، بالإضافة الى تدفقات اللاجئين الهاربين من الأزمات السياسية والنزاعات المسلحة كما هو حال السوريين المستقرين حديثا بعدد من المدن المغربية.

وقد تضمن التقرير الذي أصدره المجلس الوطني لحقوق الإنسان في شتنبر 2013 بعنوان “الأجانب وحقوق الإنسان بالمغرب: من أجل سياسة جديدة في مجال اللجوء والهجرة ” مجموعة من التوصيات الكفيلة ببلورة وتنفيذ سياسة عمومية فعلية في مجال الهجرة، ضامنة لحماية الحقوق ومرتكزة على التعاون الدولي وقائمة على إدماج المجتمع المدني” [1]. على اثره تم وضع سياسة جديدة للهجرة واللجوء، تضمن الحقوق الأساسية للمهاجرين وتحترم المبادئ الدستورية للمملكة وكذا التزاماتها الدولية. وقد تمت ترجمة تلك التعليمات بإطلاق عمليتين استثنائيتين لتسوية الأوضاع الادارية للمهاجرين المقيمين بالمغرب بطريقة غير نظامية (سنتي 2014 و2016). كما تمت إعادة فتح مكتب اللاجئين وعديمي الجنسية التابع لوزارة الشؤون الخارجية والتعاون الدولي، الذي بت في مجموعة عالقة من طلبات اللجوء. وقد مكنت هذه المبادرات من التسوية الإدارية لأوضاع الإقامة بالنسبة لأعداد مهمة من المهاجرين من شأنها أن تضمن لهم الحق في الولوج إلى الخدمات الأساسية وبرامج الإدماج المدرجة ضمن الاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء التي اعتمدتها الحكومة في دجنبر 2014

ومن جهة أخرى، تشير الإحصائيات الرسمية أن عدد المغاربة المقيمين في الخارج يناهز خمسة ملايين نسمة، يستقر أغلبهم بدول القارة الأوربية وخاصة في فرنسا وإسبانيا وإيطاليا. وتمثل التحويلات المالية للمهاجرين المورد الرئيسي لعيش فئة واسعة من الأسر المغربية، بل وتمثل نسبة تناهز 7 بالمائة من الناتج الوطني الخام. ويعتبر المغرب من أهم الدول استقبالا لتحويلات المهاجرين في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا خلال سنة 2017، حسب تقرير “الهجرة والتحويلات المالية” الصادر عن البنك الدولي[2]الذي يشير إلى أن المغرب احتل المرتبة الثالثة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا باستقباله 7.1 مليار دولار من تحويلات المهاجرين، بعد كل من مصر (18.2 مليار دولار) ولبنان (7.9 مليار دولار). وقد سبق أن أفادت الوزارة المنتدبة المكلفة بالمغاربة المقيمين بالخارج وشؤون الهجرة أن إيرادات مغاربة العالم تشكل ثالث مصدر للعملة الصعبة بالمغرب، بعد قطاع السياحة ومبيعات الفوسفاط، مما يعكس مساهمتهم الملموسة في تنمية بلدهم الأصلي. إلا أنه نتيجة لتصاعد الأزمة الاقتصادية بأوروبا وانتشار الأزمات السياسية بعدة دول كليبيا واليمن، شهد المغرب هجرة عكسية للمغاربة الذين فضلوا أو اضطروا للعودة إلى وطنهم، مما طرح إشكاليات مختلفة ترتبط أساسا بإعادة اندماجهم داخل النسيج المجتمعي-الثقافي والاقتصادي.

إن واقع استقبال المغرب لتدفقات بشرية مختلطة، متعددة الروافد ومختلفة الدوافع والأهداف، تفرض تدخل عدة فاعلين، ليس فقط على المستوى الوطني/ الممركز، بل على المستوى الترابي أيضا. فاستقرار المهاجرين يتم ضمن نطاق ترابي معين، الأمر الذي يستلزم مساهمة الجماعات الترابية على الصعيد المحلي والإقليمي والجهوي في تدبير القضايا المرتبطة بالهجرة والمهاجرين، اعتبارا للاختصاصات الجديدة والموسعة الموكولة إلى السلطات اللامركزية ولا سيما منها الجهات التي يخولها القانون المتعلق بالجهات القيام بأدوار مهمة في تخطيط ووضع وتنفيذ برامج تنموية محلية وجهوية، تراعي المؤهلات والاولويات والاحتياجات الخاصة بالجماعات الترابية. “فالجهوية ليست مجرد قوانين ومساطر إدارية، وإنما هي تحول عميق في هياكل الدولة ومقاربة جديدة للحكامة الترابية.كما انها أنجع الطرق لمعالجة المشاكل المحلية، والاستجابة لمطالب سكان المنطقة، لما تقوم عليه من إصغاء للمواطنين، وإشراكهم في اتخاذ القرار، لا سيما من خلال ممثليهم في المجالس المنتخبة”.[3] ويمثل تواجد المهاجرين أحد الخصوصيات التي يجب أخذها بعين الاعتبار كعامل إغناء لمجتمعات الهجرة والاستقبال ومحفزا للاقتصاد والتنمية ومصدرا لتنميتها الثقافية وليس كعبء اقتصادي أو تهديد أمني ومجتمعي.

ورغم بعض المبادرات والتجارب المسجلة حاليا، والتي يعتبر المجتمع المدني المحرك الأساسي لها، إلا أن واقع المهاجرين يبقى متسما بالهشاشة وضعف الولوج إلى الخدمات والحقوق الأساسية كحقوق ضامنة لكرامة المهاجر، مما يؤثر سلبا على مسلسل اندماجهم، فضلا على بعض ردود الفعل تجاه تواجد المهاجرين وما يمكن أن ينتجه من خطابات الكراهية أو العنصرية من طرف فئة من المواطنين مما يتنافى مع قيم التسامح والعيش المشترك التي يجب أن تظل من مقومات المجتمع. في هذا السياق يصبح التساؤل حول اختصاصات وأدوار الجماعات الترابية والمجالس الجهوية والإقليمية في وضع سياسات تنموية مندمجة، تستجيب للخصوصيات الاجتماعية والثقافية لمختلف فئات المهاجرين، وكذا للاستفادة من الهجرة كمحرك للتنمية المجالية ودعم قيم المواطنة والتعددية الثقافية تمرين لإدماج بعد الهجرة في السياسات الترابية. كما أن الإشكالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقانونية والحقوقية التي يواجهها المهاجرون واللاجئون والمهاجرون المغاربة العائدون، ودور مؤسسات الوساطة والهيئات المدنية في تجاوزها والارتقاء بأوضاع هذه الفئات وضمان وتيسير اندماجها في المجتمعات المحلية تمرين لنجاح تنمية ترابية قائمة على ادماج بعد الهجرة في عمليات التخطيط والبرمجة. وهه الإشكالات/التحديات من شانها مسائلة الأدوار المنوطة كذلك بالجامعات والقطاع الخاص وجمعيات المجتمع المدني والمنظمات الدولية ووسائل الإعلام والمهاجرين أنفسهم في توفير سياق داعم للاندماج، وإطلاق مبادرات ترتقي بمبادئ المثاقفة والمواطنة.

 

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.