احدث المقالات
Home > كتاب الحدث > الافتتاحية > الافتتاحية: أيها المنبطحون.. مدينتكم تحتضر

الافتتاحية: أيها المنبطحون.. مدينتكم تحتضر

بقلم: عبد المنعم سبعي:

كانت مرحلة بداية القرن الواحد والعشرين غنية بالعطاءات السياسية، وعظيمة ببعض السياسيين الذين تفتخر بهم الجهة ومدينة وجدة، وربما يكون السلوك الديمقراطي الذي أسس له الوزير الأول آنذاك الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي قد أرخى بظلاله على كثير من المنتخبين الذين كان يشتم من تدخلاتهم حب المدينة والجهة وكانت مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، في هذه المرحلة كان التنافس على أشده بين البرلمانيين من أجل البحث عن مشروع تستفيد منه المدينة والجهة، وكان قول كلمة حق في وجه أي مسؤول تقاعس أو تجاهل مصالح المدينة سمة بارزة لبعض البرلمانيين والمنتخبين الذين تربوا في الأحزاب الوطنية العتيقة.

في هذه المحطة انتفض البرلماني السابق خليدي محمدين في وجه الوزير توفيق احجيرة أثناء لقاء تواصلي سنة 2004 بمناسبة الذكرى الأولى للخطاب الملكي التاريخي بولاية جهة الشرق على عهد الوالي حمدي، وسبب هذه الانتفاضة هو أن الوزير الوجدي حاول إظهار الجهة الشرقية بمظهر الجهة المتقدمة والمزدهرة وكانت المشاريع الملكية آنذاك لم تنجز بعد. وفي هذه المرحلة أخرص البرلماني محمد عبيد وزير الصحة بيد الله وواجهه بالأرقام التي تعري واقع الصحة بالجهة. وفي هذه المرحلة أيضا حاصر هذان النائبان الوزير الأول ادريس جطو بالبرلمان لأنه لم يزر مدينة وجدة رغم وعوده المتكررة. هكذا كان حب المدينة والجهة يملأ قلوب المنتخبين، وهكذا كانت الأحزاب السياسية تنجب المناضلين والشرفاء، لا مصالح يخافون عليها إن شاغبوا وحاصروا، ولا مشاريع ينتظرون تطويرها عن طريق الانبطاح  للولاة والوزراء، بل كان كل همهم هو قضاء حوائج المظلومين والدفاع عن المقهورين يتأبطون ملفات المواطنين وينتقلون من وزارة إلى وزارة ومن إدارة إلى إدارة من أجل البحث عن مشروع تستفيد منه المنطقة أو الاستفسار عن مظلمة تعرض له مواطن مغلوب على أمره في ربع خالي من ربوع الجهة.

استحضرت هذه المحطة والجهة الشرقية تعيش أرذل أيامها، فاقتصادها مشلول ومؤسساتها الإنتاجية معطلة والبطالة تنخر شباب الجهة والمشاريع السابقة تعرف تجاهلا كبيرا وتراجعا مهولا، أينكم أيها المنتخبون والبرلمانيون؟ أترضون أن تصبح المشاريع التي أنفق عليها الملايير بمبادرة من صاحب الجلالة مهملة لا تعرف الصيانة اللازمة؟ أترضون أن يعم الظلام الشوارع الكبرى في المدينة التي صرف عليها الملايير من أجل إنارتها وتأهيلها؟ أليس في قلوبكم حبة خردل من حب للمدينة لتقولوا لمن كرس هذا الواقع كفى؟ ألم تغضبوا للإهانة التي تعرض لها فريق سندباد الشرق في عقر داره؟ ألم يؤلمكم واقع النقل الحضري بالمدينة؟  أترضون بالمسؤول الذي يقلل من شأن مدينتكم وجهتكم ويختار برجه العاجي للتفرج على جهة تحتضر، فلا هو أنصت لهموم المواطنين وفتح أبواب مكتبه للمجتمع المدني، ولا هو أبدع في المشاريع مهما هزلت بنية امتصاص الغضب، وإعطاء الانطباع أن اهتماما على الأقل بالشؤون التنموية هو في طور التولد والتشكل؟

كنت اعتقد أن أبناء المدينة من المنتخبين والبرلمانيين سيكونون أول المدافعين عن المدينة والجهة، على الأقل للدفاع عن مشاريعهم ومصالح بقايا أهاليهم وذويهم بعدما رحل معظمهم إلى وسط المغرب، وكنت أتصور أن أبناء مدينة الألفية كما عهد في آبائهم ستكون لهم ردة فعل تجاه هذا التجاهل التام لمصالح الجهة، وتجاه هذا الوأد للمدينة ، لكن شيئا من هذا لم يحدث. وهذا ما يحز في النفس أكثر، فما أحوج المدينة والجهة إلى منتخبين قادرين على رفض أي تبخيس أو تحقير أو تقليل من قيمة مدينة وجدة وجهة الشرق، وما أحوجنا إلى منتخبين مؤمنين حتى النخاع بأن صوت المواطنين أمانة تطوق أعناقهم، وأن الدفاع عن المدينة شرف كبير من شرف حب الوطن.

إن صفحات التاريخ تحفل بنماذج من المنتخبين والبرلمانيين التي اعتمدت الدفاع عن مصالحها، وبلقنت العمل السياسي، وتخلت عن الشرفاء،  وانتهجت مناهج الظلم وجنحت للارتشاء واتخذت من معاكسة مصالح المدينة والجهة وبالتالي مصالح الوطن عقيدة، فحالها كحال العصابات، لا تصنع أمجادا ولكنها تصنع الكوارث والمصائب، أما المناضل الحزبي الحقيقي فهو الذي يشيد ويبني ويقدم للحياة أجمل ما فيه، ويسخر لخدمة الوطن أعظم ما فيه وهو عقله وقلبه. فلا تحزن أيها الوجدي الشريف إذا وجدت حولك أشباحا من المرتزقة الذين باعوا أنفسهم للشيطان من أجل مصالح زائلة، وإذا كان الحق قد اختفى في زحمة الباطل والظلم، فهو قادر على أن يطل مرة أخرى وتراه شامخا رافعا هامته منتصب القامة يمشي وسط كهان الشعارات ومروجي الأوهام.. لا تحزن إذا اختفت الشمس قليلا خلف سحابة الضلال، لأن البقاء للشمس ولا بقاء للضلال، فالفرق شاسع والبون واسع بين أن تظلم إنسانا وان تظلم وطنا أو مدينة أو ساكنة برمتها وان كانت النتيجة واحدة.. فالفرق كبير بين أن تظلم شريكا وان تحرق مدينة، وبين أن تقترض مبلغا من المال لا ترده لصاحبه وان تنهب ثروة جماعة أو مدينة ثم تتركها ضائعة.. ظلم الأفراد مساحة صغيرة جدا فى حياة البشر، ولكن ظلم الوطن مأساة كبرى تتحملها الأجيال جيلا بعد جيل.. وحين يتصور المسؤول الحزبي  انه يملك كل شيء في دائرته تسقط عليه اللعنات من كل جانب وتطارده أشباح الكراهية في كل مكان، وإذا أردت أن تقيم شيئا فانظر إلى نهايته ولا تتوقف كثيرا عند البدايات لان النهايات هي الفيصل وهى آخر صورة للإنسان قبل أن يلقى قدره.. ومن أسوأ النهايات في الحياة أن يغمض الإنسان عينيه وتمتد أمامه مواكب الوجوه التي ظلمها في حياته وتتابع أمام عينيه مجموع المشاريع التي غش فيها وطنه أومدينته أو قريته.. وأسوأ أنواع الحزبيين والسياسيين الذين ائتمنهم الناس على مصالحهم فخانوا الأمانة، فهم ظلمة بكل معنى الكلمة، لأنه تدخل في إرادة الله وسلب من الناس حقوقهم وحرمهم من فرص الحياة الكريمة الآمنة التي أرادها الله لعباده.. وفى مواكب الرحيل نجد أناسا تحيطهم من كل جانب مشاعر صادقة من الحب والعرفان، والقلوب تودعهم بأصدق الدعوات والعيون تحيطهم بأصدق الدموع لأنهم كانوا أمثلة حية لشرف الكلمة وتحمل المسؤولية فكانوا بذلك ميزان عدل وخير

وتسامح.. وهناك آخرون تسبقهم إلى مصيرهم المشئوم لعنات أناس مظلومين وصرخات قلوب حرمها الظلم من ابسط حقوقها في الحياة..  إن أسوأ ما تصاب به مدينة أو وطن هو مسؤول غشاش ظالم قد ينجو من عذاب الدنيا، وقد يتنازل السكان عن حقوقهم وأحلامهم، ويبقى حساب السماء نهاية كل ظالم، فالناس من ذوي الضمائر الحية تخاف أن تظلم فردا واحدا من المجتمع لأنها تدرك أن الظلم ظلمات يوم القيامة، وأن مرتع الظلم وخيم، وعاقبته سيئة، ولو بغى جبل على جبل لدك الباغي منهما، فما بال أولئك الذين يقتلون جهة؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.