احدث المقالات
Home > الحدث > قراءة في “عالم بلا خرائط” (الجزء الأخير)

قراءة في “عالم بلا خرائط” (الجزء الأخير)

بقلم الدكتور إسماعيل فيلالي

اشتغال السرد بالتفكير في الكتابة، في عالم بلا خرائط

يقول محمد عزالدين التازي عن هذه الرواية: “يحضر السارد المؤلف، وإذا كان هذا الحضور مألوفا في الرواية الأوروبية فإن “عالم بلا خرائط” توظفه بطريقتها الخاصة، حيث يدخل السارد / المؤلف في الحديث عن علاقته بالكتابة الروائية ليعبر عن مفهومه الخاص لهذه الكتابة”. نشر علاء الدين نجيب روايتين هما “النوارس” و “شجرة النار”، وهو بصدد كتابة رواية ثالثة… إن علاء هو من يقوم بدور السارد وهو أيضا يجمع بين كونه كاتبا روائيا وبين علاقته المجنونة بنجوى، إنه كسارد من جهة وكاتب روائي من جهة ثانية يعبر عن كثير من مفاهيمه الخاصة بالعمل الروائي وبشخوصه وبدور المخيلة… يخلط السارد بين الأزمنة ويعلن أنه يتذكر بعض الأحداث العائلية و العاطفية التي يسردها ، كما يعلن أنه ينسى أحداثا ربما كانت هي الأهم تشغل عقله بالذكريات فينساق معها، لكنه يتدارك ليعلن النسيان كما أعلن انه يتذكر، يستنصر السارد المسرود له، ويجعله في مواجهة الكيفية التي تنبني بها الأحداث وتتموضع في الزمن… ومن هنا تكون الكتابة الروائية في “عالم بلا خرائط” قد مارست لعبتها السردية وأعلنتها في نفس الآن كي تدعو المسرود له إلى إعادة ترتيب الأحداث بتفاصيلها المبعثرة على ساحة المحكي، يقول السارد: “ثمة تفاصيل نسيتها، فتخلخل الموضوع وتخلخلت الذكرى فلأحاول مرة ثانية وبدقة أكبر… تسعى الرواية إلى تشكيل مفهومها الخاص للروائية، عن طريق معاناة السارد ومواجهته الخاصة لقضايا الكتابة، نستخلص بعض هذه القضايا من النسيج السردي للأحداث لأنها كمفاهيم نقدية تقدم إلينا من خلال لعبة السارد/المؤلف الذي هو أيضا شخصية محورية في عالم بلا خرائط.

تعبر الرواية عن موقف السارد من إحدى الروايات التي سبق أن كتبها علاء حيث اتهموه بالغموض وعدم مطابقة الواقع، كما أن الرواية تعبر عن موقف علاء الساخر من هذه القراءة النقدية الساذجة… ويعمد علاء ككاتب روائي إلى توظيف المخيلة وتشغيلها في تشييد معالم العمل الروائي… كما تعرض الرواية مفهوم الوحدة الروائية التي تتكون من انسجام التفاصيل و كيفية بنائها داخل نسيج الأحداث وترتيبها على نسق خاص، و هو ما يسميه المصطلح النقدي ب “التركيب السردي”. من خلال المفهوم العام للكتابة الروائية كما تقدمه عالم “بلا خرائط”، “نلاحظ انشغال السارد/ المؤلف بالهدم والبناء، أي هدم الجاهز وبناء الخاص المتميز من خلال تجاوز المفهوم الانعكاسي، وتشغيل المخيلة الروائية كبحث عن الخاص في الكتابة”. مجلة الوحدة عدد 49 السنة 1988 (ص 96/ 101) .

تثير عالم بلا خرائط مجموعة من التساؤلات حول كيف تفكر الكتابة الروائية في بناء النص الروائي، وذلك من خلال تقنية السارد/المؤلف الذي يبدو منشغلا بهموم الكتابة الروائية (الرواية ص29 / 34)

فالرواية تصف وضعية السارد المؤلف من خلال عيشه وعلاقته بالآخرين في حالة تداخل مع معاناته الخاصة للكتابة كوهم يتحول إلى إنجاز مكتوب عن طريق مقاومة الضعف وتجاوز حالة العجز. كما تطرح الرواية كذلك مفهومها الخاص للقارئ والناقد على أساس نقدي عن طريق السخرية (الرواية ص 29 /30) عندما صدرت روايته الثانية…

يتبين أن الناقد في رأي هذا العمل الروائي، يظل بعيدا عن مقاربة العمل الروائي وتلمس أبعاده و دلالاته، فغالبا ما يصادر على النص و يسقط عليه ثقافته ووعيه الخاص. يقول د محسن جاسم الموساوي في هذا الموضوع: “عندما يغيب المناخ النقدي المناسب يضطر المبدع إلى ترك بصمـاته بكثرة في أوراقه و كأنه يريد النهوض بمهمتي الكتابة والنقد، مقدما لقرائه فرصة أحسن لمطالعة نتاجه دون وساطة المجتهد المتسرع. وهي وساطة غالبا ما تسيء إلى الإنتاج… بدل أن تنتج له قراءة حسنة و توفر له فرصة الاطلاع على الجوانب المخفية في العمل الإبداعي. وبخصوص الرواية العربية يجب الادعاء بوجود اتجاهات نقدية واضحة في الأدب العربي الحديث، وبقيت أغلب الكتابات محصورة في إطار المتابعات المعنية بالمضامين. (ص211). وقد عبرت الرواية كذلك عن مفهومها للخيال الروائي ودوره في ترتيب الأحداث وخلق الشخصيات. فنجوى نفسها كانت كالفرس الأصيلة… نلاحظ أن هناك إثارة لقضية مهمة تتعلق بالعلاقة بين ما هو متخيل وما هو حقيقي أو بين الوهمي والواقعي… فالرواية كشكل رمزي للثقافة لا تعيد إنتاج الواقعي وإنما تبدعه عن طريق تصعيده إلى واقع روائي تتحكم في تشييده مختلف القوانين والبنيات الداخلية والأدوات التعبيرية المتعلقة بهذا الجنس الإبداعي. إن المسألة هنا تتعلق بقضية جمالية هي كتابة الواقع انطلاقا من زاوية المتخيل. وأخيرا نلاحظ أن الرواية “عالم بلا خرائط ” قد لجأت إلى التعبير عن مفهومها الخاص لطريقة تركيب عناصر البناء السردي. يقول علاء: “أريد أحيانا أن أجمع حياتي الماضية، علاقاتي، أوهامي، أن أجمعها في بؤرة واحدة، لا لكي أنظر من خلالها وإنما لكي أفجرها وأبعثرها… ثم أحاول جمعها من جديد، أحاول جمعها و إعادة ترتيبها، كل ذلك أفعله مدفوعا بوهم استعادة أيامي الماضية ضمن نسق أستطيع أن أفهم له منطقا أيا كان هذا المنطق”. (الرواية ص40/41).

يفصح هذا المقطع عن مفهوم الرواية الخاص للبناء الروائي حيث يتم جمع المادة من التفاصيل الحياتية المستمدة من العلاقات والقناعات والأوهام، وتركيب هذه التفاصيل داخل وحدة موضوعية.

يطرح هذا المفهوم الذي تقدمه “عالم بلا خرائط” للبناء الروائي حدا فاصلا للمقارنة بين الرواية التقليدية التي تنبني على تطور الأحداث من خلال تسلسل زمني قصد الإيهام الواقعي وبين الرواية التركيبية التي تؤلف عناصر سردها من منطقها الداخلي الذي تفرضه طبيعة الكتابة كتشييد لعالم مستقل بذاته لا يسعى إلى تقليد أو محاكاة العالم الواقعي. وهذه سمة الرواية الجديدة التي حاولت القطيعة مع كل ما هو تقليدي.

عالم بلا خرائط والصراع العربي الاسرائيلي:

إشارات الرواية إلى سنوات بعينها، مثل 1948، 1967، 1973. لم تكن صدفة او اعتباطا وإنما تؤرخ لأحداث مأساوية، كانت ولا تزال ترتكب من لدن الصهاينة أمام أعين العالم الذي أصبح يغض البصر عمّا يجري في فلسطين من تقتيل و إرهاب، ويفتحها ليرى قضايا أخرى أبسط منها بكثير…”. ولكن القتل الأحمق ،الأعمى، الشرس، المجنون… قتل النساء، الأطفال، المرضى، الجرحى، الممرضات، الأطباء، أن تطلق عليهم الرشاشات من أيدي أناس حقيقيين، بشر مثلنا… أن يقتلوا بإصرار، ببرود، بعمى… أوه، منظر الجثث، رائحة الجثث… كيف أصف أيام الجنون؟ أيام العطش، والصراخ، والقتل بالمجان؟ كيف يمكن أن أكون إلا مع الضحايا، وفي كل منعطف يدفعونه فيه دير ياسين جديدة؟ وفي تل الزعتر لم تكن هناك آبار تقذف القتيلات والحوامل إلى أعماقها في ظلمة الليل. كان القتل هناك في عز النهار، في عزّ الشمس، قتل مجاني، روح سادية شريرة جاهلة… 1948 و 1967، كان الصهاينة يقتلونهم بأيديهم. أما الآن فيقتلونهم بالواسطة، بأيدي الأقرباء والإخوة، بالسيطرة البعيدة – بأيدي بشر كان يفترض أنهم سيحمونهم، سيدافعون عنهم. والعالم، طزّ على هذا العالم، كله يتفرج، و هو ساكن صامت، وكأن لا شيء يعنيه. مؤامرة صمت مجرمة قذرة، تستمر ولا تنتهي، وضجيج الآخرين، حول قضايا أبسط بآلاف المرات يملأ الدنيا…..” (الرواية ص 256).

خاتمة:

تأتي أهمية هذه الرواية، أنها لكاتبين عربيين مهمين قدما الكثير للرواية العربية وأصبحا من أعلامها الكبار، والمتميز في هذه التجربة الرائدة أنها تمت بين كاتبين لا يلتقيان روائيا لا في اللغة الروائية، ولا في أسلوب البناء الفني للرواية، و لا في الرؤية الروائية، ويبقى تفاعلهما التام في هذا الإنجاز، راجع إلى اهتمامهما بالرواية في حد ذاتها باعتبارها عملا فنيا، أصبح فن العصر بامتياز.

وقد توالت بعد هذه التجربة تجارب أخرى لروائيين شباب، منها رواية “في مقام العشق” المشتركة بين يوسف نبيل وزينب محمد، و روايتهما الثانية “العالم على جسدي”، ورواية “أحلام نازفة” المشتركة بين اللبناني سيمون سعد والسوري صالح دحدل، ورواية “يوميات آدم وحواء ” المشتركة بين نرمين الخنسا و نزار دندش… وقد مورست الكتابة المشتركة في العديد من الأجناس الأدبية بكثافة في تاريخ الأدب العالمي، ولها نكهتها الخاصة ومتعتها الأدبية المتميزة، ومن بين أغرب وأطرف الكتابات المشتركة في هذا الإطار رواية إيطالية تحت عنوان “إن تريتوريونيميكو”، أي “في أرض الأعداء”، التي شارك في تأليفها 230 كاتبا… والجميل في الكتابة المشتركة أنها تضم آراء وأفكارا مختلفة ولا تضع الاتفاق شرطا للكتابة المشتركة…

روائيان كبيران، جبرا إبراهيم جبرا وعبد الرحمان منيف، تضافرت مواهبهما تضافرا مذهلا في عـمل إبداعي متفرد، لإثارة جو عابق بالحيرة والسخط، بالرغب والنشوة، في خلق هذه المدينة، عمورية، التي لم يزرها قارئ يوما من قبل، والتي بعد أن يزورها ستسكنه تهاويلها إلى وقت طويل ….” الرواية ( ص 8 ).

هامش للمعرفة :

عموريةكانت مدينة في فريجيا في آسيا الصغرى ، في منطقة الأناضول الواقعة في الجزء الجنوبي الغربي من مدينة أنقرة في تركيا، تأسست في الفترة الهلينية، وازدهرت في عهد الإمبراطورية البيزنطية، وأصبحت مهجورة بعد هجوم الخليفة العباسي المعتصم عليها في رمضان من عام 223 ه الموافق لأغسطس من عام 838م، بقاياها تقع بالقرب من قرية حصار كوي في محافظة أفيون بتركيا، تبدأحكايتها حينما أغار الروم في أيام المعتصم بالله بن هارون الرشيد على بلدة زِبَطْرَة المسلمة وعاثوا فيها فساداً، واعتدى رومي من أهل عمّورية على امرأة عربية مسلمة فصاحت مستنجدة بالمعتصم: “وامعتصماه”، فسخر منها الرومي، فتناقل الناس الخبر حتى وصل إلى الخليفة المعتصم، فأقسم أن ينصرها، و أن يفتح عمورية،”فنصحه العرافون والكهان بأن لا يفعل لأن عمورية لن تفتح إلا في أوان نضج الفاكهة، فلم يعمل بنصيحتهم وتوجه إلى عمورية في شهر رمضان، وفتحها وأسر الرومي وأحضر المرأة لتراه ويراها…. فأنشد أبو تمام حبيب بن أوس الطائي في ذلك بائيته الشهيرة في فتح عمورية التي مطلعها :

             السَّيْفُ أَصْدَقُ إِنْبَاءً مِنَ الكُتُبِ … في حدّهِ الحدُّ بينَ الجدِّ واللَّعبِ

وقد أوردت هذا الهامش لأن هناك من النقاد من اعتبرها مدينة من صنع الخيال، وهي مجهولة الوجود، ولكن الأكيد أن عمورية بتفاصيلها التاريخية حاضرة في ثقافة الكاتبين، وقد تم توظيفها كمتخيل فني في عمل إبداعي مليء بالألغاز، في عالم بلا خرائط…

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.