Home > الحدث > من أجل رؤيا عقلانية للإنسان الكوني..

من أجل رؤيا عقلانية للإنسان الكوني..

بقلم : ذ . خليل غول

 إن قراء ة التراث بكل أشكاله، لا ينبغي أن تكون حبيسة قراءة اطلاعية. لو وقف الأمر عند هذا الحد، لكانت القراءة، قراءة للتاريخ، لصور من الماضي، تترجم لحظات وأزمنة من سيرورة الإنسان، وهو يتفاعل مع واقعه وعصره، في زمن دون غيره. وبموجبها نستلهم، أو نستنهض معالم من تفاعل الإنسان، مع الكل التاريخي، مع مراحل أسسته، وأثرت على تكوينته، ككائن ثقافي. تكون نتيجة كل تفاعلاته، تحديداً ثقافيا خاصاً لإنسان ذلك الزمن.

 لكن بالرجوع إلى المنظومة الدينية، وأبواب الاجتهاد فيها، وأقيستها، في علاقة كل ذلك بالجانب الفقهي والحياة الواقعية للإنسان المسلم، نجد أن قضايا توفيقية كثيرة، لم يفتح باب الاجتهاد أمامها، في انسجام مع متطلبات العصر ومقتضياته، وكأن الاجتهاد استوفى قضاياه ومجالاته، وأغلق الباب. لأن ما قاله السلف الصالح، أمر غير مردود ولا يحق نسخه، أو حاجته إلى أية إضافات أو تحليل.

 إن السلف الصالح أو أهل الاجتهاد بالرأي السابقين، اجتهدوا فاصابوا، في انسجام تام مع الثوابت الدينية وإملاءات الواقع أو العصر …

 إن قراءة التراث قراءة جديدة متحررة ومنفتحة على العصر وإكراهاته تبدو أمرا ملحا، أكثر من أي وقت مضى، بالشكل الذي يُستخدَم فيه العقل، كآلية لتحديد الفهم، واستنباط الدلالات التي لا تتعارض مع الثوابت. وتحدد، بل وتراعي مدى تطور الإنسان، ككائن يتميز بمد عقلاني، وسيرورة متطورة تتجه نحو حداثية السلوك والخطاب الموضوعي والواقعي، والاستفادة من مقومات العلم وخدماته اللا محدودة، وفي كل المجالات.

 هاته المرجعيات، هي ما يعطي القوة أكثر، لتبني الخطاب الديني المنفتح، والتشبع بتمفصلاته الإنسانية. أولا وقبل كل شيء، لترسيخ منظومته كخطاب يصمد أمام كل التحولات ومناوشات المناوئين، والمؤولين لقناعات العقل ومنطقيته، لتقزيم امتداداته، وكأن “طابو” العقل المنفتح، وهو يبتكر أو يجتهد بثوابته المنطقية، هو أداة تنصب العداء لرؤيتهم أو تنظيرهم الخاص…

القبول أو الصمت، بخطابات أو ممارسات تجعل من العقيدة مطية، من طرف من يسعى إلى تدمير العقل الفاعل، بإيجابيته وإنسانيته، هو إقرار بتشجيع وتوسيع بنية فكرية ومعرفية لا تقدم إلا أساليب تؤسس العنف والحقد، والعنصرية، والازدراء، والتعامل بأساليب بعيدة عن كل ما هو إنساني.

إن عدم مواجهة التطرف العقائدي اللاديمقراطي، هو تشجيع لفكر “يتعشش” ويتوسع في خفاء. قد ينهض في أية لحظة، وفي أي مكان، ليؤكد حضوره وتوسعه، ويرسم تواجداً يهدد الاستقرار محليا أو خارجه.

لا بد إذن من مواجهة كل ما لا يخدم الإنسان في بعده الكوني، وفي كل قضاياه التي تؤكد فاعلية حضوره في هذا العالم، ونبذاً لكل ما ينتج التطرف والتزمت والتشدد، مع مواجهة كل ارتباط بالتأويلات الرجعية العقيمة، المتحجرة والسلبية، التي ترعب أكثر مما تتسامح، وتنغلق أكثر مما تنفتح. بل، والتي تسمح لنفسها امتلاك شرعية الناطق الرسمي باسم العقيدة، دون سواها، وفق منظور يقصي ويرفض كل المعارف الأخرى، باعتبارها تبديعاً ضيقاً، قد لا يلزمها بالضرورة.

هذه دغمائية تؤثث نظاما فكرياً، ينتج “المُطْلَق” والجاهز، الذي لا يحتمل التنظير العقلاني، ولا التحليل المنطقي، أو المقاربة العلمية. بل إن كل رؤيا مخالفة، قد تجد أمامها تصنيفاً يضعها في خانة المتوعَّد له، الذي يحق في حقه كل شيء، بل استرخاص أرواحه بأبشع الصور.

يبدو أمام قتامة المد المتطرف أن الراهن يستدعي تنقيح كل البرامج التربوية والمنبرية للخطب والمؤسسات الدينية والإعلامية، في مواجهة ما يراد له أن يعصف بالعقل والمنطق، ومرونة الأداء والتواصل مع الكل، إنسانا كان أو معارف أو حضارة، في اتجاه الانفتاح والتسامح، والحوار الذي يستدعي مقاربة الآخر، والتعامل معه وفق ما نتقاسمه من مقومات إنسانية مشتركة كإنسان، والاهتمام بالمشترك المعرفي والأخلاقي، لتاسيس خطاب يخدم الإنسان بكل اختلافاته وتميزاته، من جنس ولون وثقافة وحضارة، أينما تموقع، وكيفما كانت طبيعة قيمه وقناعاته، لتسود ثقافة الإنسان الكوني، خدمة للإنسانية جمعاء.

هي مسؤولية كل الأنظمة والمؤسسات الفكرية والثقافية.. الرسمية منها أو غيرها، ليبدو هذا العالم، منظومة متجانسة القيم، في تفاعل شمولي بين إنساني فعال ومثمر، يَسِمُه الصفح والتسامح والتقارب وسيادة الثقافة الإنسانية في بعدها الكوني خدمة للإنسانية جمعاء، ضدا على كل مذهبية أو قطبية إطلاقية منغلقة، تطوف حول تاريخ أو إثنية أو قناعات إيديولوجية كهويات مزعومة.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.