Home > الحدث > قراءة في “عالم بلا خرائط ” (الجزء الثاني)

قراءة في “عالم بلا خرائط ” (الجزء الثاني)

بقلم الدكتور إسماعيل فيلالي

عالم بلا خرائط  رواية  ليست كباقي الروايات

تفتح الرواية غرفتها الأولى بكلام جميل، سيكون مدخلا واسعا للتأويل الفني و الأدبي الذي تزخر به عالم بلا خرائط :” كانت السيبيلا ،عرافة كوماي، قد أتت من الشرق، من بلاد بابل، مهد المعارف و الحكمة، و التنبؤ بالمستقبل. أعجب بها الإله أبولو أيام شبابها، فوعدها أن يحقق لها أي مطلب تطلبه. فأخذت حفنة من الرمل في كف يدها، و قالت :”أعطني سنينا للحياة بقدر ما في راحتي من ذرات هذا الرمل، و لكنها نسيت أن تطلب مع طول العمر، بقاء الشباب والعافية فعاشت مئات السنين، وشاخت، وتقلصت عظامها. وبقيت عرافة قرنا بعد قرن. وعاشت لزمن طويل في كهف، كانت تكدّس في مدخله أوراق الشجر فإذا جاءها سائل يطلب معرفتها وحكمتها، قذفت إليه حفنة من هذه الأوراق، وقد كتبت حرفا على كل ورقة. وعلى السائل عندئذ أن يجمع الأوراق، ويرتبها في شكل ما، يستطيع أن يقرأ في حروفه جوابها..”( الرواية ص 9  ) .

 ويمثل حـادث اغتيال نجوى العامري – عشيقة علاء – محور الرواية والحدث الذي أتاح للراوي، وهو المتهم الأساسي الذي لم تثبت إدانته، أن يكتشف هشاشة عالمه الذي يعيش فيه ويعرف موقعه منه. وتنتهي الرواية دون اكتشاف الجاني الحقيقي إذ أن تراكم الغموض والتفاصيل حول سيرة كل من علاء أو نجوى أو زوجها أو خلدون جعلت المحققين يغرقون في ضبابية هذا الوضع الذي هو وضع عمورية بأسرها. وقـد اتسمت الرواية بتركيز لغوي يقترب من اللغة الشعرية، كما أنه لم يضع الأحداث و الشخصيات بالـدقة و الموضوعية التي يقتضيها البناء الروائي، وترك للقارئ متـعة التشـويق عبر حكايات متلاحــقة تستعصي عـلى التأويل. كما أن البطل هو بطل مثقف مقيد بعلاقـــاته وواع بمصير وطنه. ويؤكد المؤلفان أن الشخصيات والأحداث في هذه الرواية من خلق الخيـال، وأن الأماكن، وبخاصة عمورية، هي من خلق الخيال أيضا…. في عالم بلا خرائط ” تتداخل الأسئلة والأجوبة، بحيث يصعب القول أحيانا أيها الأسئلة وأيها هي الأجوبة ؟ و في متابعة الجدلية القائمة في فصولها، يبقى الشك مثارا و مثيرا، باستمرار.. لماذا تبقى عمورية عالما بلا خرائط ؟ وعلاء الدين نجيب، هل له من طريق للخلاص من متاهاتها فـي اعترافاته الحارة، المضطربة، المتناقضة عن مصرع نجوى العامري، المرأة المدهشة التي تجمع بين هوج السوالمة وشبقهم، وبين حسابات الربح والخسارة التي نشأت عليها في أسرتها و مجتمعها؟ وأين يقع ذلك كله من قصته مع ماضيه، مع أخويه صفاء وأدهم، وخاله حسام الرعد، وعمته نصرت، و أسلافه القرويين والعشائريين وصولا إلى المتمرد الأول فيهم، حمدي سويلم؟ أم أن ذلك كله جزء من قصته الأخرى، قصته مع المستحيل والجنون، الكامنين في نجوى العامري، في نفسه هو، في عصره ، في عمورية كلها ؟ الرواية  ( ص 8 ) .

بين جبرا و منيف

سنحاول تحديد بعض نقط التقـاطع بين الكاتبين في هذه التجربة انطلاقا من حوار أجراه ماجد السامرائي مع عبد الرحمان منيف وجبرا إبراهيم جبرا حول الرواية العربية الحديثة أو بتعبير أدق الرواية الجديدة. التي حاولت أن تخلق التميز عن الغرب. وتخرج من التقليد الذي هيمن عليها لمدة ليست بالقصيرة.

ارتباط الرواية بتطور المدينة

عبد الرحمان منيف: يبدو لي أن الرواية مرتبطة بتطور تاريخي معين … أي إنها مرتبطة بالمدينة، مرتبطة بالتطورات الاجتماعية الأساسية التي تتفاعل في مجتمع معين. إذا انتفت هذه التطورات أو كانت ضعيفة فإنها تستتبع بالضرورة ضعـف وسائل التعبير عنها أي أنها مثلا في المجتمعات البدائية نسبيا تظل وسائل التـعبير الأخرى و خاصة الشعر أبرز وأكثر تأثيرا .

جبرا إبراهيم جبرا: كما قال الدكتور عبد الرحمان منيف فان تطور الحياة المدنية له علاقة كبيرة بتطور فن الرواية لأن فن الرواية هو فن المدينة. هذا شيء، والشيء الثاني هو أن المدينة تمر بتغييرات وتطورات كبيرة جدا و الرواية تستطيع أن تصور هذه التطورات من ناحية وتستطيع  في الوقت نفسه  أن تتوقع هذه التغيرات الكبيرة.

الوسائل المتبعة في الكتابة الروائية لإيقاظ الوعي لدى القارئ 

عبد الرحمان منيف: إضافة إلى ما قاله الأستاذ جبرا إبراهيم جبرا بالنسبة للعملية الروائية و كيف تتم، أريد أن أوضح أنني اتبع أسلوبا إضـافيا أو ربما خاصا .هو أسلوب الاستفزاز … استفزاز القارئ و تحديه على أمل خلق نوع من التحريك لـهذه البحيرة الساكنة … وكتعقيب على ما قاله الأستاذ جبرا أنا أجد أن هذا تحقق عن طريق البعد الثقافي الذي يمنحه لشخصياته فهو دائم التركيز على هذا البعد في الشخصية … فهو يعكس الكثير من أفكاره ومفاهيمه الثقافية و الحضارية عن طريقها… محاولا أن تتحقق هذه النقطة في حياة الآخرين من قرائه وهذا واضح جدا في رواية ” السفينة “.

التطور الذي حققته الرواية بسبب انفتاحها على أساليب تعبير أخرى

جبرا إبراهيم جبرا: يستطيع الروائي الآن بتعدد الوسائل و أساليب القول المتأثرة بالفنون الأخرى أن يقول لنا أشياء أعمق. ومعقدة أكثر… ومهم جدا أن يقول الناس أشياء معقدة ولها أوجه عديدة، وإلا كانت روايته ساذجة… وأكاد أقول مرفوضة في عصر كثير التعقيد نريد فيه أن نفهم …أن نتغلغل في أوجه التعقيد هذه و لا نكتفي بالشكل الأحادي التبسيطي .

عبد الرحمان منيف: من حسن حظ الرواية انه متاح لها من الأساليب ووسائل التعبير غير ما هو متاح لسواها… وبمقدار ما يمكن للرواية أن تكون شاعرية بمعنى معين، وان تستخدم الشعر في طريقتها ووسائلها للتعبير يعطيها نوعا من المدى و القدرة على التعبير بأشكال متنوعة وغنية، بحيث إن مجالات الفن الأخرى أقل قدرة على التعبير بأشكال متنوعة وغنية، بحيث إن مجالات الفن الأخرى أقل قدرة على استخدامها. فالشاعر مثلا مهما بلغ لا يستطيع استخدام أسلوب الرواية …

الافتتاحية / مطلع الرواية

يمكن اعتبار الافتتاحية التي قد نجدها في مجموعة من المؤلفات الروائية أو القصصية تقديما يتشكل كجزء من العمل أو يمكن تسميتها بالنص الداخلي المصغر الذي يشكل الإحالة المرجعية للنص كما هو الحال في عالم بلا خرائط .

فالافتتاحية تشكل ذلك الخط الوسيط بين خارج النص و النص المحمي الذي تسيجه وترسم له هذه الافتتاحية حدوده التي لا يخرج عنها. إن ما يؤطر افتتاحية “عالم بلا خرائط ” لا يخرج عن هذا المفهوم. فالمنطق الذي يحكم الافتتاحية يجعل ما يجري فيها يخضع لمنطق معين من القراءة. يقول الدكتور سامي سويدان: “تبدو حكاية السبيلا وأبولو أقرب ما تكون بنيويا لحكاية نجوى وعلاء… حيث يصبح نص الحكاية الأخيرة في إطار الغموض الذي تطالعنا فيه فصول الرواية… أقرب ما يكون إلى أوراق الشجر في الحكاية الأولى. و يصبح الملحق الوارد في نهايتها أقرب ما يكون إلى صورة السائل الباحث عن حقيقة اللغز الذي يحيره في محاولته تأليف نص يستوعب فيه الحقيقة”.( أبحاث في النص الروائي العربي ص 217  )

أما الملحق فهو استمرار لما جاء في الافتتاحية حيث يفسح المجال أمام منطق قرائي يستدعي إعادة التركيب. إن الملحق بيان للتحقيق يخص سير الأحداث وما وصلت إليه من تعقيد، وفي الوقت نفسه بيان ربط للمقدمة حول طبيعة جمع ما تفرق و إعادة تنظيمه للحصول على تشكيل معين للحكي. نقرأ في آخر الرواية “خاص وسري.. تقرير عن مقتل نجوى العامري”. وفي آخر سطر منه نقرأ: (هنا تنتهي الصفحة، ولم نعثر على الصفحات التي تليها). وكأن المسالة تدفع بنا إلى اعتبار الحكي تقاطعا بين ما هو أفقي وما هو عمودي، ويمكننا الآن أن نتساءل: هل الإطار العام الذي يتحكم في مسار البناء الروائي في عالم بلا خرائط هو مسار القراءة و المعرفة؟ إن الافتتاحية و الملحق يقدمان جوابا من خلال الرابط بينهما وهو رغبة ضرب قاعدة المقروء الأسنادي و تعويضه بالمقروء التقاطعي البنائي ولعل الدليل على ما نحن بصدده ما نجده في وسط الرواية خاصة في الفصل الذي يمتد من (ص 274 إلى 291) والذي نجد فيه مقاطع حوارية. فالبناء الذي ينســجه عبد الرحمان منيف وجبرا إبراهيم جبرا يعبر عن مسؤولية القارئ و هو يواجه نموذجا تجريبيا من صنف “عالم بلا خرائط” باعتبارها نموذج الرواية الواعية بشرط الكتابة. يقول محسن جاسم الموساوي عن هذه الرواية: “فهي بدءا ليست حكاية تهدف التسلية… بل هي في جوهرها رواية عن فن الرواية… حيث يراهن فيها الروائيان على امتلاك السر، سر البنية الروائية كما راهنا على امتلاك الحكمة و المعرفة شأنهما في ذلك شأن عدد كبير من الروائيين الذين يطرحون ألغازهم و أفكارهم في ثنايا العمل الإبداعي. لكنهما أكثر ميلا لمقارنة جهدهما بحصيلة تجربة عرافة كوماي التي تقذف حفنة من أوراق الشجر إلى طالب الحكمة خاصة مضطرة الساعي إليها إلى ترتيب الأوراق. “الرواية العربية  النشأة و التحول” (ص 282 ).

يتبع

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.