Home > كتاب الحدث > الافتتاحية > الافتتاحية: لا فضيلة لا قيم

الافتتاحية: لا فضيلة لا قيم

بقلم: عبد المنعم سبعي:

كلنا يحترم القانون ويقدر المساطير، ولكن بينهما خيط رفيع يسمى الفضيلة، وقد قيل الفضيلة تقيد الحق، ورغم أن مصطلح الفضيلة يندرج ضمن قاموس الأخلاق إلا أنها أحيانا تقترب كثيرا من لغة القانون وربما تجاوزت في تأثيرها ودورها الأحكام والقضايا.. أقول هذا وقد آلمتني كما جل المغاربة بعض التصرفات والتصريحات المنسوبة لقياديين بحزب العدالة والتنمية بدء ببنكيران ومعاشه الاستثنائي ومرورا بمن دونه من وزراء المصباح وبرلمانييه الذين بدأت تتساقط المساحيق عن وجوههم تباعا، وهم الذين كنا نعتقد أنهم أهل الطهر والمتشبعون بالفضائل والقيم.

لابد أن نعترف بأن هناك حلقات مقطوعة بين الشباب والمجتمع وان حراك سنة 2011 الذي أعقبه الدستور الجديد وأفرز حكومة إسلامية،  قد تركت جراحا عميقة لدى جيل من الشباب لم تحقق الإصلاحات حلما من أحلامه في العيش والحرية والكرامة، إن هذا الجيل مازال ينتظر العدالة من مجتمع فرط في أحلامه ولم يفهم رغبته في التغيير ووقف ينتظر مسيرة الأشياء في وطن خذله في أحلامه.. المؤكد أن كثيرا من الشباب الذي يشاغب في مواقع التواصل الاجتماعي ويحاول أن يعبر عن الغبن الذي راكمه خلال سنوات من الإحباطات المرتبطة بحكم الإسلاميين بالمغرب، هو شباب متعلم، بل منهم ربما من يحمل شواهد عليا، لذلك فتطلعهم إلى مجتمع ديمقراطي تتوزع فيه خيرات الوطن بين المواطنين بمقاييس كونية وعادلة يبقى مطلبا لا غبار عليه، ويظهر ذلك بالوضوح التام من خلال الشعارات المرفوعة خلال المسيرات الاحتجاجية التي لم يخب وهجها منذ سنوات، أو من خلال الأحداث الاجتماعية التي عرفتها مدن كالحسيمة وجرادة وانتهت بمحاكمات أقل ما يقال عنها إنها قاسية، في الوقت الذي يفلت فيه ناهبو المال العام ومغرقو مؤسسات الدولة في دوامة الإفلاس من المتابعات والمحاكمات..

رغم تقديري الشديد للحلول الأمنية وضرورتها وأهميتها في حفظ استقرار المجتمع إلا أنني اعتقد أن الأمن ليس الحل النهائي في قضايا المطالب الاجتماعية.. إن هذه القضايا لا تعنى فقط المنع والمتابعات، ولكنها تعنى بالضرورة لغة للحوار وقدرة على استيعاب أحلام الشباب ومعاناتهم وجميعنا كنا شباباً وكانت لدينا رغبات في الإصلاح والتغيير وكانت لنا أحلام ربما أجهضها واقع قبيح ولكن هذا لا يعنى أن نصادر الآراء والأحلام والأماني .. إن لكل جيل طموحاته وليس من حق جيل أن يغلق الأبواب على نفسه ولا يسمع صرخات الآخرين..  ومن هنا يبقى الحوار هو الطريق الأمثل مهما كانت درجة الاختلاف ..

صحيح أن الناس يختلفون في تفسيرهم لمعنى المسؤولية..هذا الاختلاف يرتبط بتكوين كل إنسان وأفكاره وقناعاته وتربيته والثوابت التي نشأ عليها..هناك إنسان يرى أن الحياة رحلة عبادة فلا يعمل ولا ينتج ويتصور أن الله خلقه لكي يقضى عمره عابدا رغم أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يرى أن العمل هو خير العبادات..وان المعاملات في الإسلام تحتل مساحة أضعاف العبادات وأن الرسول حين وجد رجلا لا يغيب عن المسجد سأله كيف تعيش فقال آخى ينفق على فقال أخوك خير منك.. وهناك إنسان يتصور أن الحياة رحلة يستمتع فيها بكل شيء فيلبى رغبات نفسه بكل الوسائل ولا يحرمها من شيء ويتصور أن ما يفعله يمثل رسالته في الحياة.. ويتصور أن الحياة رحلة استمتاع وهذا النوع من البشر لا تشغله قضية ولا تحرك خياله مأساة، هناك نوع ثالث يرى مشوار الحياة ذكرى.. انه يعتقد انه لم يأت إلى الحياة عبثا لقد جاء من أجل هدف وغاية، ولهذا يحاول أن ينقش على جدران الزمن شيئا كبيرا كان أو صغيرا..انه يرى عمره اقصر من أحلامه وان أحلامه أن يسجل شيئا في مسيرته مع الزمن ولهذا يحاول أن يشارك الآخرين في أعمارهم ويتفانى في المسؤولية الملقاة على عاتقه، وهؤلاء هم المبدعون الحقيقيون.. هناك فصيل آخر من البشر كان قدرهم أن يعيشوا حياة قصيرة أو طويلة ولكنها تصنع لهم نهاية لا ينساها احد.. ومن هؤلاء الزعماء الحقيقيون الذين يودعون الحياة ويموتون في سبيل عزة وطن وتنميته.. فالموت في سبيل رفعة وتنمية وطن وسام أبدى والموت في سبيل قضية يمنح الإنسان مكانة خاصة في حياة الآخرين.. وفى نهاية المطاف هناك أيضا من يتحمل مسؤولية تسيير مؤسسات عمومية  ويعبر منها ولا يترك فيها شيئا وما أكثر هؤلاء .

إذا كانت الفضيلة أمرا مطلوبا ونحن نتعامل مع الشباب فإن العدالة قضية لا ينبغي أبدا أن تغيب في زحمة المتغيرات بحيث نكتشف في مشوار الحياة أن الأقدام الشرسة المتوحشة للسياسيين والمتنفذين داست على أحلام شباب برئ، حيث سرقوا المال والسلطة والفرص التي لا يستحقونها..  كثير من شباب المغرب يشعر بالمرارة حين يجد المتخلفين عقليا في الصدارة وهو يكتشف أن التفوق والنبوغ لم يعد جواز سفر للنجاح ولكن هناك أساليب أخرى تقوم على التحايل ونهب أموال الشعوب.. إن المجتمع الذي يعجز عن تحقيق قدر من العدالة بين أبنائه يفقد أهم عوامل الاستقرار.. ولا بد بأن نعترف أننا عانينا كثيرا من اختلال منظومة تكافؤ الفرص سنوات طويلة وتركنا أجيالا كثيرة تقع فريسة الإحباط والإحساس بالظلم والكآبة وعلينا أن نعيد لها الأمل في وطن أكثر عدالة..

في اعتقادي أنه قد آن الأوان لكي نعيد الاعتبار للفكر الصحيح  والسياسة السليمة والثقافة المستنيرة بدلا من استمرار حالة الصمت واللامبالاة تجاه حالة الخواء الفكري والفراغ السياسي الذي استشرى وسمح للجهلاء والمغرورين أن يكون لهم صوت مسموع ومؤثر في هذا الزمن الأغبر!

متأكدون أن مثل هذه المحطات من المهازل جرت استباحة فاضحة للعمل السياسي، ورأينا كيف أصبحت كلمة ناشط سياسى مرتبطة بمشروع انتخابي الذي غالبا ما يكون مرادفا للاستهتار والتطاول دون ضابط ولا رابط  بعد أن غابت الفضيلة، فليس كل من يرفع لافتة أو يقود مظاهرة أو يدعو لاعتصام يمكن تصنيفه كناشط سياسي، مثلما ليس كل من يدلي بتصريح أو يتحدث عبر الميكروفون أو الشاشة أو يعتلى أي منبر من منابر الخطاب العام يصبح بالضرورة زعيما سياسيا وإنما الناشط والزعيم السياسي هو من يقبله الناس على هذا الأساس ويقتنعوا به بهذه الصفة  ويمنحوه تفويضا بذلك من أرضية الثقة فيه والاقتناع به.

إن الأحزاب السياسية قادرة على المصالحة مع الشباب إن توفرت النوايا الصادقة لكن يبدو أن أحزابنا لا تعرف إلا المناورات واستغلال المواقع، بالرغم من النداءات الملكية المتكررة للهيئات الحزبية من أجل الانخراط في الدينامية الملكية، لكن يبدو أن أحزابنا يصدق عليها اليوم ذلك المثل الإفريقي “كثرة الضرب لا تصنع من الحمار فرسا”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.