Home > الحدث > الحدث الجهوي > الخط الاحمر: غرغرت تلك البطن دون أن يشبع فقراء هذا الوطن

الخط الاحمر: غرغرت تلك البطن دون أن يشبع فقراء هذا الوطن

زهر الدين طيبي: لماذا عاد بنكيران لواجهة الصخب السياسي بشكل مفاجئ؟ ولماذا دخل حزب العدالة والتنمية على خط الانتقادات التي استهدفت أمينه العام السابق، عبد الإله بن كيران؟ هل يكفي خروج بنكيران الأخير وبيان حزبه لتبرير مواقفه المتناقضة؟

عبرت الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية عن تضامنها مع أمينها العام ورئيس الحكومة السابق بنكيران ضد ما أسمته “الاستهدافات الساعية للنيل من نزاهته”. كما عبرت عن “استنكارها وإدانتها لما وصفتها بالحملة الممنهجة التي تستهدف الحزب وقياداته، وتلك التي تستهدف عبد الإله بن كيران في الآونة الأخيرة”. جميل أن تعبر الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية عن “تضامن الحزب مع بن كيران ضد ما وصفته بالاستهدافات الساعية للنيل من نزاهته ووطنيته وغيرته الصادقة”، وجميل أيضا أن تؤكد على أن احترام حرية الرأي والتعبير وحرية الصحافة، “لا يعفي من الالتزام بالضوابط القانونية والأخلاقية”. ولكن الأجمل أن تبرر لنا ازدواجية الخطاب التي باتت تظهر للمواطنين، من طرف بعض رموز وقيادات حزب العدالة والتنمية، وتعترف بأن رئيس الحكومة السابق شخصية عمومية، مسموح بانتقادها وبجرعة زائدة، طبعا مع مراعاة قواعد وأدبيات النقاش السياسي والإعلامي المسؤول والبناء.

المؤكد أنه في إطار التواصل السياسي الضعيف للحكومة، وفي زمن التقنيات الحديثة للتواصل وسرعة انتشار الأخبار عبر شبكات التواصل الاجتماعي، يصعب على بنكيران، وعلى الأمانة العامة لحزبه أن تبرر موقفه وازدواجية خطابه الديني المتناقض والموثق. اليوم، كل شرائح المجتمع حتى الشباب الذي لم يكن بالغا عندما كان بنكيران يزبد ويرعد في المعارضة، اطلعت على تسجيل بالصوت والصورة يعود إلى أيام المعارضة؛ ونرى فيه بنكيران، في البرلمان، وهو يتهجم على وزير وينتقد بقوة تقاعد الوزراء؛ لهذا يصعب تبرير النقيض اليوم، في الوقت الذي ينعم فيه عبد الإله بنكيران بتقاعد مريح عن مهمة رئيس حكومة سابق، دون أن يساهم في أي صندوق من صناديق التقاعد؛ رغم أنه هو من أقرّ اقتطاع نسبة مهمة من أجور الموظفين لإصلاح الصندوق المغربي للتقاعد، وحتى وإن فتح بنكيران بابه كما حدث قبل أيام للكاميرات، في محاولة للرد، بأسلوبه المعتاد في مواجهة خصومه، على الانتقاد اللاذع الذي تعرض له بسبب استفادته من تقاعد استثنائي. هذا الأمر يفرض مجددا طرح مجموعة من التساؤلات العريضة، من قبيل: لماذا لم تكن خرجات بنكيران الإعلامية هذه المرة موفقةً؟ هل مازال الأمين العام السابق لحزب العدالة والتنمية، يمني نفسه بالعودة لواجهة الأحداث السياسية بالمغرب، أم أنه وقع شهادة نهايته السياسية بإعلان تقاعده المريح؟ وأخيرا، لماذا سقط رجل التواصل الشعبوي في حزب العدالة والتنمية في فخ التناقض؟

رغم كون الزعيم السابق ورئيس الحكومة الأسبق كان يحاول في كل خرجاته إيهام المتتبعين بأنه يضع مسافة أمان بينه وبين حكومة سعد الدين العثماني، ولا ينخرط في جلدها مباشرة، حتى لا يتهمه حلفاء حزب العدالة والتنمية بالتشويش عليها، إلا أنه كان دائما يربك بتصريحاته النارية مكوناتها، حيث أن بنكيران لم يسبق له منذ تشكيل الحكومة الجديدة أن وقف عند حصيلتها كثيرا، كما أنه لا يغامر في الثناء على منجزاتها. لكن بنكيران أخطأ التقدير، في الطريقة التي حاول أن يبرّر ويدافع بها عن معاشه الاستثنائي؛ وكان عذره أقبح من الزلة، عندما حاول الدفع بحجج الضائقة المالية التي يعيشها منذ مغادرته موقع المسؤولية، خاصة وهو الذي قضى أكثر من أربع ولايات كبرلماني، وأكثر من خمس سنوات كرئيس حكومة. ولعل هذا الأمر، وعدد من الأحداث الأخرى التي وقعت عليها بعض قيادات حزب العدالة والتنمية وجناحه الدعوي التوحيد والإصلاح، فرض عودة تهمة “ازدواجية الخطاب” التي كانت رديفة الإسلاميين إلى الواجهة. كيف سيقنعنا بنكيران بلحيته البيضاء، بعد هذا الحدث، وما عساه يقول للفئات الضعيفة والهشة في المجتمع المغربي، والتي كان يزعم على الدوام أنه يحمل همومها ويدافع عن حقوقها، عندما كان في المعارضة يدعو إلى محاربة الريع السياسي بكل أشكاله، وينتقد معاشات الوزراء والبرلمانيين وتعويضاتهم. وأكثر من هذا، أنه هو الذي تمت في ولايته الزيادة في مبلغ الاقتطاعات، بغرض إصلاح منظومة التقاعد.

في جميع الأحوال حبل الكذب قصير، ومهما كان الدفع بأي تبريرات، يبقى من الصعب على رئيس الحكومة الذي وصل لتدبير شؤون المغاربة بشعارات الإصلاح ومحاربة الفساد، أن يقنع المواطنين بسلامة قراراته التي أرهقت كواهلهم، ووفرت له بحبوحة العيش من الريع السياسي. للأسف، لقد تراجعت أسهم حزب العدالة والتنمية في بورصة السياسية، بعدما أدرك عموم المواطنين المغاربة البسطاء؛ حتى أولئك الذين لا يفهمون السياسة، إلا من خلال المطابقة بين الخطاب والممارسة، أن بنكيران لا يختلف عن باقي الزعماء الذين استهوتهم الامتيازات، وأنهم جميعهم يجعلون أصوات المواطنين في الانتخابات مطية لتحقيق المصالح الشخصية، فلا بنكيران ولا حزبه قضى على الفساد والرشوة والريع السياسي، وهو يكتفي اليوم بالقول أن جهات لم تتركه يشتغل، والحقيقة أن هذا الكلام مردود عليه، لأنه كان بإمكانه حينها أن يقدم استقالته، لأنه بموقفه، وعلى هذا الأساس، يكون بنكيران قد خسر أنصاره داخل الحزب ومن المتعاطفين، ومن عامة المواطنين، ممن أصبحوا يرون في قبول الرجل المعاش الاستثنائي ممارسةً ريعيةً بامتياز، تنزع عنه المصداقية، وتكشف حقيقة التعفف والزهد، الذي ظلت تتغنى بها قيادات حزب العدالة والتنمية.

لقد غرغرت البطن وحصلت على تقاعد مريح يوفر السمن والعسل دون أن يشبع فقراء هذا الوطن.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.