Home > كتاب الحدث > الافتتاحية > الافتتاحية: جنازة ليست كباقي الجنائز

الافتتاحية: جنازة ليست كباقي الجنائز

بقلم: عبد المنعم سبعي:

لحظات يواعدها القدر، وتشاء الأقدار أن نقف على أعتاب فصل شتاء بروح فصل الخريف، أذن برحيل أحد هامات الجسم الرياضي بوجدة، فقد لملم أحد المبدعين في المجال الرياضي أحزانه وعزف قلبه سيمفونية الرحيل فكان القدر والموت على موعد مع حسن الاختيار.‏ رحل الرياضي ورئيس الجامعة الملكية للجيدو وفنون الحرب التهامي شنيور، وترك فينا إرثا غنيا بمعاني المحبة ومغازي التفاني في خدمة المدينة والوطن. وترك فينا أيضا كنوزا من القيم الإنسانية الرفيعة، لذلك حزن على فراقه كل من تعرف على السي التهامي رحمه الله، ولذلك كانت تلك الجنازة المشهودة بذلك الحشد الذي لم تألفه الجنائز الأخرى.

بين المرض والموت لحظات متقطعة كنا نعتقد أن الأمر مجرد سحابة صيف عابرة …  خلنا مرضك مرضا لن يهزم قوة إرادتك واعتقدنا أن عودتك إلى حيويتك لن تطول، ولم أتيقن من حجم معاناتك إلا بعد مكالمتك الهاتفية الأخيرة حينما طلبت مني أن أبلغ معارفك تحياتك وتنتظر منهم دعواتهم لك بالشفاء، في تلك المكالمة بحت لي بكثير من أسرار الأصدقاء وميزت بعين ثاقبة بين معادن الناس، أقررت سيدي أن من كنت تنتظر منهم الشيء الكثير حرموك حتى من ديونك المتراكمة عليهم، وأنت في أمس الحاجة إليها، واعترفت بشهامة من واسوك في مرضك وعاشوا معك معاناتك لحظة بلحظة، ذكرت لي اسم عبد العالي الذي زارك مرارا ومرافقه من الدارالبيضاء التاجر الحاج عمر الذي اقترح عليك مصاحبته إلى الصين من أجل العلاج، وذكرت السي العربي الذي اعتززت بصداقته..، سيدي لقد غادرتنا ونحن نعتصر ألما على عدم توديعك وأنت على قيد الحياة،….لم نعهدك هكذا كتوما، الأخلاق أنت، والكلام الجميل أنت، والخير أنت… انتشر الخبر في ذلك الصباح كالنار في الهشيم واجتمعت الخلائق لتوديعك إلى مثواك الأخير،.سرنا وراء نعشك ظهر ذاك اليوم المشهود.، الجنازة غير الجنائز والناس غير الناس ومديح الوداع غير المديح، كان لحنه جميلا على غير العادة، هز المشاعر، فتساقطت الدموع تباعا…..سرت في جنائز عديدة سيدي، تشابهت كلها إلى حد النمطية…..و لكن جنازتك اختلفت في كل التفاصيل والصور و المشاعر..

لم يكن السيد التهامي شنيور الرياضي الكبير، يدرك أن أياديه البيضاء على الرياضة الوطنية وعلى مدينته مسقط رأسه وجدة ستخلد اسمه في سجل الأبناء البررة وستجد من الاعتراف بالجميل ما جعل جنازته جنازة فوق العادة، وأقنع كل الحاضرين أن من يزرع الحب والإخلاص لا يمكن إلا أن يجنيهما في حياته وبعد مماته.

فبالرغم من الاختلافات المرتبطة بكلمة السر التي فتحت للسيد التهامي شنيور كل خزائن الحب والتقدير ، تتفق التحليلات المصاحبة لمسارات الراحل، في كونها تلتقي في حزمه وجديته المرتبطتين بإدارته للمحطات التي بصمت حياته كرياضي ومسير ومنظم اللقاءات العالمية بوجدة وغيرها من المدن المغربية، ولم تتلطخ مسيرته طوال هذا المسار بأي انحراف كما عهد في بعض المترددين على التسيير الرياضي، إنه بطل المغرب في عدة مواسم وصاحب الميدالية النحاسية في البطولة الإفريقية وبطل المغرب العربي ومؤطر لوفد الجودو في أولمبياد سيدني، وحكم دولي قاد مباريات الجودو في أولمبياد أثينا 2004، ورئيس مولودية وجدة للجودو، ورئيس عصبة الشرق للجودو، ثم رئيس الجامعة الملكية المغربية للجودو لمدة أربعة عشر سنة ، و بصم فترة مسؤوليته  مع رفاقه في الجامعة بالتجديد و تطوير التسيير و قدم تضحيات  لرياضة أحبها وأخلص لعائلتها. التهامي شنيور، وفوق هذا إبن وجدة ، نظم بطولة إفريقيا و البطولة العربية في مدينته و مسقط رأسه ، و بحس و طني و تفان و نكران ذات خدم رياضة الجودو و أنذر حياته للرياضة ممارسا بطلا و مسيرا مفكرا و مدبرا.

مدينة وجدة على وجه الخصوص ومنطقة المغرب الشرقي عموما هي عدم النفعية من منطق استعماري، لكن من حسن حظ التاريخ، أن عدم النفعية لا تشل الأرحام لتلفظ الرجال والنساء الذين قد تكون لهم الكلمة، يصنعون تاريخ هذه المنطقة في محطة من محطاته، فالشرق ليس بالضرورة تلك الخريطة الجافة من الماء والاقتصاد، ومدينة وجدة ليست بالضرورة تلك المدينة التي يوصف واديها بالناشف، لكنها أيضا الرقعة التي قدمت للوطن ذلك الإنسان المؤمن بوطنيته، ولنا في ديوان النضال والفكر والرياضة والمرافعات الإعلامية والصحفية، من الأسماء ما يؤكد تلك القولة الشهيرة: “من الشرق تأتي النبوءة كما السموم”، ولعل غنى تاريخ هذه المنطقة لم يشفع للسياسة في تجاوز فقر جغرافيتها، وتلك في اعتقادنا واحدة من عوامل النسيان وفقدان الذاكرة، بل كانت في أكثر اللحظات حافزا للجهة لتقدم للوطن مزيدا من الثروات المادية والإنسانية والنماذج الخالدة في خدمة تنمية الوطن. ربما يكون القدر المأساوي هو الذي جعل هذه الجهة تضرب الأرقام القياسية في الفقر والأمية والتخلف… وربما يكون إحساس أبناء هذه الجهة بالغبن ما يجعلهم يميلون أحيانا إلى العاصفة أكثر من ميلهم إلى العاطفة، لكنهم في حال بناء الوطن وخدمته فهم نماذج رفيعة، وتلك في نظرنا حالة السيد التهامي شنيور رحمه الله، كما استقرأناها من تاريخه وشهادات أصدقائه ومعارفه.
لقد علمتنا مثل هذه المحطات من رحيل الأبناء البررة أنه لا يمكن ان تتساوى العصافير والغربان أو تتشابه مياه الأنهار ومياه المستنقعات..ولا يمكن أيضا أن نجد في مكان واحد من يضئ شمعة ومن يطفئ كل الأنوار..هناك عشاق للنهار وهناك أيضا خفافيش تحب الظلام، حين يجلس الإنسان  مع نفسه ويراجع دفاتر أيامه سوف يجد ناسا كثرا أسعدوه وتفانوا في خدمة مدينتهم ووطنهم وكانوا  مثالا في الرقى والسمو والتحضر..سوف يجد أيادي كثيرة امتدت لمدينته وهي تصارع أمواج التهافت والنسيان.. وسوف يرى أيضا وجوها أخرى أدمنت الخبث  والضلال والتحايل، والغريب أن الحياة لديها قدرة عجيبة على تطهير الأشياء وفرز البشر..إن الأنهار تجدد ماءها في مواسم الفيضان..والأشجار تغير أوراقها في مواسم الربيع..والبشر أيضا منهم أشجار فارهة وهناك حشائش متسلقة وفى نهاية المشوار يبقى النخيل نخيلا وتبقى الحشائش سكنا للحشرات..

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.