Home > الحدث > الحدث الجهوي > الخط الأحمر: السلطة لا تغير الأشخاص، هي فقط تكشفهم على حقيقتهم!

الخط الأحمر: السلطة لا تغير الأشخاص، هي فقط تكشفهم على حقيقتهم!

زهر الدين طيبي:

يبدو أن المناوشات الحزبية وتبادل الاتهامات داخل الأغلبية الحكومية لن تتوقف، وكأن لعنة كيل التهم بين بعض الأحزاب المشكّلة للحكومةَ أصبحت قدرا محتوما، فما أن تخرج حكومة سعد الدين العثماني من أزمة، حتى تنغمس في أخرى، وهو ما يؤكد تخبط أحزاب الأغلبية الحكومية في مشاكل حزبية جانبية على حساب تدبير شؤون المواطنين، ما يضعف مردوديتها السياسية.

البطل في هذه الحلقة الجديدة من سلسلة الأزمات الحكومية التي لا تنتهي هو عبد الآله بنكيران، إذ من المتوقع أن تسبب خرجته الأخيرة مشاكل جديدة لرئيس الحكومة، الذي تبرأ في وقت سابقٍ من التصريحات التي قذف بها سلفه في الحزب والحكومة حلفاءه في الأغلبية من منصة مؤتمر شبيبة العدالة والتنمية بالرباط. فقد طالبت أحزاب الحكومة مباشرة بعد تصريحات بنكيران خلال مؤتمر الشبيبة، ضد كل من لشكر وأخنوش، باجتماع لوقف ما وصفته حينها بـ “الإساءات غير المسبوقة التي شهدتها المرحلة الأخيرة، والتي يمكن أن تهدد تماسك الأغلبية وتضع حكومة العُثماني على كف عفريت بعد أقل من عام على تشكيلها”.

رئيس الحكومة السابق والأمين العام الأسبق لحزب العدالة والتنمية، بنكيران، هاجمَ في خطابه الأخير لبعض المنتسبين لحزبه، عزيز أخنوش، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار. ورغم أن بنكيران لا يتقلّد أيَّ منصبٍ حكومي ولم يعُد يتمتع بأيّ صفة سياسية أو حزبية قيادية؛ إلا أنه لا يزالَ يثيرُ المشاكل لـ”أغلبية سعد الدين العثماني”، فقد عادَ الرجل ليطلقَ نيران تصريحاته الحارقة على حلفاء حزبه في الحكومة، وعلى الغريم الجديد حزب التجمع الوطني للأحرار. طبعا، الأحرار بدورهم لا يتورعون في الهجوم على حزب العدالة والتنمية، سواء من داخل الحكومة كما هو الشأن بالنسبة للوزير رشيد الطالبي العلمي، أو من خارجها كما كان الأمر بالنسبة لمصطفى بايتاس، القيادي في حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي اتهم، في وقت سابق في إحدى الندوات، حزب العدالة والتنمية، بـ”ابتزاز الوطن من أجل الوصول إلى السلطة”. المؤكد أن توزيع الأدوار داخل الأحزاب مستمر كتقنية للتدافع في المشهد السياسي، كما أن بنكيران يدرك جيدا أن حزب التجمع الوطني للأحرار يراهن على إفشال حزب العدالة والتنمية، وضرب مصداقيته لمنعه من ولاية حكومية ثالثة، كما أنه يعتبر أخنوش هو من حال بينه وبين رئاسة الحكومة للولاية الثانية، بل أنه يعتبره من بين الجرافات الذين كانوا سببا في نظره، للتوقيع على نهايته السياسية، لذلك فهو يهاجمه بهذه الخلفية التي تعتبره زعيما لحزب بدأ يمهد بشكل واضح ليصبح البديل المقبل في الانتخابات المقبلة.

حتما، لن نستغرب خروج رئيس الحكومة سعد الدين العثماني، أو من ينوب عنه ليتبرأ أو لينفي مرة أخرى تأثير هذه التصريحات الجديدة على الانسجام الحكومي، لكن، ما من شك أن ما يربك الحكومة ورئيسها سعد الدين العثماني هو تزامن هذه التصريحات مع الوضع المهزوز لحزبه بعد الضربات الأخيرة التي تلقاها، خاصة وهو مقبل على تقديم حصيلة منتصف الولاية وبداية العد العكسي لحكومته، مع احتمالات كبيرة لتعديل حكومي قريب.

وإذا كانت خلفية الهدف عند زعيم العدالة والتنمية السابق، تبرر الوسيلة، فإنها لا تستطيع تبرير امتيازات الرجل وتقاعده المريح، من هنا نتساءل:

أين هي الأصوات التي بحت في البرلمان وهي تدافع عن حقوق المواطنين؟ أين صراخ بنكيران تحت قبة البرلمان وهو يحتج ضد الريع وتقاعد الوزراء؟ لماذا انقلب الزعيم على أفكاره وبات يستفيد بالامتيازات التي كان ضدها؟ ما الذي بات يميز حزب المصباح عن باقي الأحزاب التي دأبت على التنكر لمبادئها ومرجعيتها؟ ولماذا يغير السياسيون جلدتهم بعد الوصول إلى الحكم؟

المثل يقول إن الطيور على أشكالها تقع، فقد أثارت التصريحات الأخيرة لرئيس الحكومة السابق، عبد الإله بنكيران، جدلا واسعا ليس فقط في الوسط السياسي، ووسائل الإعلام، بل عبر مواقع التواصل الاجتماعي، التي حاولت النبش في أرشيف البرلمان لتعيد تصريحات بنكيران أيام كان حزبه في المعارضة لواجهة الأحداث، والهدف هو كشف التناقض الصارخ بين شعارات الأمس التي كان يسأل فيها وزراء الحكومة عن الريع والامتيازات، وتصريحات اليوم المتناقضة التي تحاول تبرير تقاعده المريح.

مخطئ من يعتقد أن ذاكرة المواطن المغربي ضعيفة، وليس ذكيا من لا يحترم ذكاء المغاربة، فالتاريخ لا يرحم أحدا، لهذا بات بنكيران يحاول في خرجاته الإعلامية الأخيرة الدفاع عن نفسه، وتبرير الأخبار التي راجت مؤخرا بخصوص استفادته من معاش استثنائي، يقدر شهريا بتسعة ملايين سنتيم، وهو ما اعتبره بعض رواد شبكات التواصل الاجتماعي ريعا غير مستحق. المؤكد أنه يصعب على بنكيران وقيادات حزب العدالة والتنمية أن تبرر تغيير شعاراتها بكل هذه السهولة، أو أن تحلل لنفسها الامتيازات، في الوقت الذي تحرم فيه المواطنين من حقوقهم في التنمية والخدمات الاجتماعية وتحسين وضعيتهم المادية، بالنظر إلى القرارات الصعبة التي اتخذها بنكيران لما كان رئيسا للحكومة، وهي القرارات التي أرهقت المواطن والموظف، وأضعفت القدرة الشرائية، وجمدت الحوار الاجتماعي، واقتطعت من أجور الموظفين ورواتبهم بدعوى إصلاح التقاعد، وهو ما أدى إلى حالة الاحتقان الاجتماعي الحالية. كان المطلوب من زعيم سياسي طالما تغنى بمحاربة الفساد والريع السياسي أيام كان في المعارضة، أن يتحلى بقدر من الوضوح السياسي، وكان أولى له أن يفسح المجال لقيادة شابة داخل حزبه، عوض المراوغة والتصريحات التي يروم من وراءها العودة إلى الواجهة السياسية.

من المؤسف حقا أن تستمر القيادات الحزبية عندنا خارج التغيير المنشود، حيث لا تزال أغلب الزعامات تقاوم بأشكال مختلفة مطلب التجديد. ولا شك أن هذا الإصرار على التشبث بالزعامة يعكس عقلية تقليدية ما زالت تتحكم في السياسيين، ترفض أن تساير التغيرات التي شهدها المغرب، من خلال تغيير الدستور، وتجديد مؤسسات رسمية وإضافة مؤسسات تشاركية أصبح لها دور في الحياة السياسية. وظل الزعماء أنفسهم يهيمنون على المشهد الحزبي، رافضين التجديد أو التداول على تحمل مسؤولية قيادة الحزب. عندنا كل الطرق مباحة للبقاء في الزعامة أو الوصول إليها. وكما قال خوزي موخيكا، رئيس الأوروغواي الأسبق، السلطة لا تغير الأشخاص، هي فقط تكشفهم على حقيقتهم.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.