بقلم: عادل بن حمزة
تحظى اللغات بثقل استراتيجي هام في حياة البشر والكوكب بوصفها من المقومات الجوهرية للهوية وركيزة أساسية في الاتصال والاندماج الاجتماعي والتعليم والتنمية. مع ذلك، فهي تتعرض جراء العولمة إلى تهديد متزايد أو إلى الاندثار كليا. وحين تضمحل اللغات يخبو كذلك ألق التنوع الثقافي وتبهت ألوانه الزاهية. ويؤدي ذلك أيضا إلى ضياع الفرص والتقاليد والذاكرة والأنماط الفريدة في التفكير والتعبير، أي الموارد الثمينة لتأمين مستقبل أفضل، هكذا تقدم الأمم المتحدة اللغة الأم التي يخلد العالم يوم 21 شباط/فبراير من كل سنة عيدها الأممي.
الاحتفاء العالمي باللغة الأم هو تذكير بقيمة تبدو بديهية ولكنها في الواقع موضع صراع طويل. هذا اليوم، الذي أقرته الأمم المتحدة تحت اسم “اليوم الدولي للغة الأم”، ليس احتفالا فولكلوريا بالتعدد اللغوي، بل لحظة مساءلة حقيقية لسياسات الدول والمجتمعات: كيف نتعامل مع لغاتنا الأولى؟ هل نحميها بوصفها تراثا حيا، أم نكتفي بتمجيدها في الخطب بينما تتآكل في الواقع؟
تؤكد المعطيات الدولية أن أكثر من نصف لغات العالم مهددة بالاندثار خلال أجيال قليلة، وأن الغالبية الساحقة منها لا تجد مكانا في المدرسة أو الفضاء العام أو العالم الرقمي. حين تختفي لغة، لا نفقد مفردات فحسب، بل نفقد طرقا في التفكير، وذاكرة جمعية، وحمولة ثقافية متراكمة عبر قرون. اللغة الأم ليست مجرد أداة تواصل؛ إنها وعاء هوية، وجسر اندماج اجتماعي، ومفتاح تعلم متوازن. الطفل الذي يحرم من لغته الأم في التعليم يطلب منه أن يتعلم العالم عبر وسيط غريب عنه، ما يخلق فجوة معرفية ونفسية يصعب ردمها.
الدراسات التربوية تؤكد أن اكتساب المهارات الأساسية – القراءة والكتابة والحساب – يكون أكثر فعالية حين ينطلق من اللغة الأولى للمتعلم. إدماج اللغات الأم في التعليم يحقق تمكينا معرفيا أوسع، وانخراط مدرسيا أفضل، وثقة أعلى بالذات. هذا هو الدرس البليغ الذي تقدمه تجارب دولية رائدة.
اليابان منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وما خلفته من دمار دفعها للاستسلام، حققت تقدما غير مسبوق؛ إذ تعد ثالث أكبر قوة عالمية في مجال الاختراع ورابع أكبر اقتصاد في العالم (هناك تقديرات تشير إلى أن الهند ستعوض اليابان في المرتبة الرابعة لتصبح اليابان القوة الاقتصادية الخامسة في العالم سنة 2026). هنا يبرز السؤال، كيف حققت اليابان كل ذلك؟ ببساطة لقد اعتمدت على لغتها، حتى أن اليابان احتلت المرتبة 92 من بين 116 دولة في إتقان اللغة الإنجليزية، وفقا لتصنيف عالمي حديث. رغم ذلك، فإن هذا التناقض المذهل بين تدني ترتيبها في إتقان اللغة الإنجليزية وتقدمها العلمي والاقتصادي يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية: هل إتقان اللغة الأجنبية شرط أساسي للتقدم؟ أم أن النهضة الحقيقية تبدأ من الداخل؟
هناك نماذج أخرى أكثر دلالة للجواب على هذا السؤال، مثلا تعتبر نيجيريا من أغنى دول العالم من ناحية البترول والغاز، كما تعتبر أول دولة افريقية من حيث عدد السكان بتعداد يصل لأزيد من 237 مليون نسمة، وبالرغم من أن اللغة الأنجليزية هي اللغة الرسمية للبلاد وهي اللغة المعتمدة في الدراسة من التعليم الأساسي إلى الجامعة، إلا أن التعليم في نيجيريا يحتل أسوأ المراتب العالمية، بحيث تحتل نيجيريا المرتبة 185 عالميا ضمن ترتيب الدول في جودة التعليم، كما أن الجامعات النيجيرية تحتل مراتب متأخرة ضمن قائمة أفضل الجامعات في العالم، بالإضافة لغياب نيجيريا عن قائمة براءات الإختراع، بل إن الدول العربية التي تدرس باللغة العربية تحتل نتائج أفضل بكثير من نيجيريا في هذه المجالات.
أما كوريا الجنوبية فبالرغم من فقرها من ناحية الموارد الطبيعية، وبالرغم من مساحتها الصغيرة وتعدادها السكاني الضعيف مقارنة مع نيجيريا، وبالرغم من أن البلدين حصلا على الاستقلال في نفس الفترة تقريبا، إلا أن كوريا الجنوبية أصبحت من أقوى اقتصادات العالم، كما أنها تحتل المرتبة الأولى عالميا في جودة التعليم، وفي المراتب الأولى من حيث براءات الاختراع، وتحتل جامعاتها مراتب جد متقدمة ضمن قائمة أفضل جامعات العالم. كوريا الجنوبية حققت هذا التقدم الهائل بالاعتماد على لغتها الوطنية والتدريس بها من التعليم الأولي إلى الجامعة، وفي كل المواد بما فيها العلوم الدقيقة، والغريب أن كوريا الجنوبية استطاعت تحقيق هذا الإنجاز بالرغم من أن اللغة الكورية لايتحدث بها إلى عدة ملايين من الكوريين وليست من اللغات المنتشرة عالميا.
يمكن سرد تجارب دولية عديدة تؤكد أن كل الأمم المتقدمة تقدمت في الأصل بلغاتها الأم، وأن الأنجليزية غير قادرة لوحدها أن تصنع المعجزة، بل إن أزيد من 20 دولة من إفريقيا جنوب الصحراء لم تكتفي فقط باعتماد اللغة الأنجليزية كلغة تدريس بل إنها اعتمدتها لغة رسمية في الدولة ككل مثل: بتسوانا، اريتيريا، غامبيا، غانا، كينيا، ليسوتو، ليبيريا، مالاوي، موريشيوس، ناميبيا، رواندا، سيشل، جنوب افريقيا، سوازيلاند، تانزانيا، أوغندا، زامبيا، زيمبابوي ونيجيريا، لذلك تبقى اللغة الأم الأساس الذي تقوم عليه نهضة الأمم والشعوب مهما كانت ديموغرافيتها وتاريخها، حيث نجد مثلا دولة صغيرة من حيث عدد السكان مثل أيسلندا، التي لا يتجاوز عدد سكانها 350 ألف نسمة وتدرس كل العلوم باللغة الأيسلندية التي لا يتكلم بها أحد خارج أيسلندا ومع ذلك أو بفضل ذلك في الحقيقة، تحتل المركز 19 في مؤشر الابتكار العالمي للمنظمة العالمية للملكية الفكرية. بل إن دراسات وأبحاث تشير إلى أن دولة اعتمدت اللغة الأنجليزية في تعليم مبادئ العلوم والرياضيات بوصفه التنازل الأهم في مسيرة صناعتها الوطنية، لكنها بعد ست سنوات تراجعت عن هذا المسار وأعادت التدريس بلغتها الوطنية لأن تقييم التجربة أفضى إلى أن مستوى الطلبة تراجع على المدى البعيد بعد تعويض اللغة الأم باللغة الإنجليزية، الأمر هنا يتعلق بماليزيا التي حققت نهضة إقتصادية كبيرة.
في 21 شباط/ فبراير، لا يكفي أن نحتفل باللغة الأم؛ ينبغي أن نصغي إليها. أن نسأل: ماذا تحتاج لتعيش وتبدع وتساهم في المستقبل؟ حينها فقط يصبح للعيد الأممي معنى، وتتحول الكلمات إلى أفعال.


