احدث المقالات
Home > الحدث > الحدث الجهوي > الخط الاحمر: أيتها الحكومة، أيتها الأحزاب، كفى استغفالا للمغاربة!

الخط الاحمر: أيتها الحكومة، أيتها الأحزاب، كفى استغفالا للمغاربة!

زهر الدين طيبي:

لماذا لم تبادر الحكومة إلى التشاور مع التجار قبل الإقدام على إجراءات نظام الفوترة الرقمية؟ ولماذا هذا التراجع والارتباك في القرارات؟ وفي المقابل لماذا تحاول كل الأحزاب الركوب على أزمة التجار لتحقيق مكاسب انتخابية؟ متى كانت تدافع عن التاجر البسيط وماذا قدمت له؟

على الرغم من توقيع اتفاق بين الهيئات المهنية الممثلة للتجار والمهنيين وإدارة الضرائب وإدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة الثلاثاء الماضي، فإن عدداً من التجار الصغار أعلنوا عن خوضهم لاحتجاجات خلال الأسبوع الجاري ضد حملات تقوم بها سلطات الجمارك ضد سلعهم، وهو ما أدى إلى موجات إضراب واسعة في مختلف مدن المملكة. من هذا المنطلق فإن التجار قاوموا الإجراءات الحكومية الجديدة، بطرقهم ووسائلهم الخاصة.

صحيح أن عددا من البرلمانيين من المعارضة وجّهوا انتقادات إلى حكومة سعد الدين العثماني، بسبب أزمة التجار التي اندلعت منذ أسابيع بسبب نظام الفوترة الرقمية؛ كما أن حزب التجمع الوطني للأحرار دخل في حرب بيانات وتصريحات مضادة مع حليفه العدالة والتنمية بسبب الإجراءات الحكومية الأخيرة، لكن الواضح أن كل الأحزاب تريد فقط تحقيق مكاسب انتخابية عبر الركوب على الإجراءات الحكومية، بما فيها حزب العدالة والتنمية الذي تراجع عن القرار ولو بشكل مؤقت. بدوره لم يخرج حزب الاستقلال عن دائرة المزايدات، حيث انتقد ما وصفه بـ«الارتباك الحكومي الواضح» في تدبير ملف المساطر الضريبية والإجراءات الجمركية المتعلقة بالتجار والمهنيين أو ما بات يعرف بجدل «الفاتورة الإلكترونية». منتقدا «عودة الصراع بين مكونات الأغلبية للتنصل من المسؤولية وعدم الاستعداد لتحمل مساءلة المواطن، والترويج لخطاب مزدوج لكسب منافع ضيقة ولحظية». وأكدت اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال، إن «التعامل الحكومي مع هذا الملف يكشف مرة أخرى غياب الرؤية الاستباقية، والمقاربة التشاركية والتواصل الكافي مع الأطراف المعنية، والاكتفاء فقط بمنطق تدبير الأزمات والقيام بدور الإطفائي بما يكلف ذلك من خسائر إضافية في منسوب الثقة لدى المواطن».

المؤكد أن الكل لجأ إلى المزايدات السياسية بسبب هذا الموضوع على حساب مصير وحقوق التجار.

يبدو واضحا أن مواد قانون المالية لجات للطرق السهلة وحاولت إضعاف القدرة الشرائية عبر التضريب وهو ما جعلها تخنق التاجر والمقاولة؛ الأمر الذي ينعكس بشكل سلبي على المواطن البسيط، باعتباره في النهاية هو الذي يتحمل كل الأعباء الضريبية”.

طبعا، ليس هذا فقط، لأن ما نعيشه في المغرب من تناقضات يعيد طرح الكثير من الأسئلة على الحكومة في إطار تنزيل مفهوم التوزيع العادل للثروات، وتطبيق القانون على الجميع، على اعتبار أن الكثير من الأثرياء الجدد بالمغرب، أصبحوا كذلك عن طريق الثراء غير المشروع، الذي أصبح يشكل تقية إخفاء كل المفسدين الذين لا يستطيعون تبرير مصادر ثرواتهم. لقد كان الملياردير اليوناني أرسطو أوناسيس، يردد دوما عبارة مشهورة: لا تسألوني عن المليون الأول، ولعل الكثير من الأثرياء بدورهم يتبنون هذه الفكرة، على اعتبار أنهم حصلوا على الأموال التي كانت بداية ثرائهم الفاحش بطرق غير شريفة، فهم ربما يستطيعون تبرير معاملاتهم التجارية اللاحقة، ولكنهم يعجزون عن تبرير المصادر الأولى لثرواتهم، لأنها كانت على حساب المال العام وضد على القانون.

في دولة القانون، يكون جميع المسؤولين الذين يتولّون مسؤوليات عمومية تحت مجهر المساءلة، ويتمّ عزل ومحاسبة كل من لا يستطيع تبرير مصادر ثرواته. لماذا عندنا لا تتم مساءلة الدركي والجمركي والموظف والعميد والقائد والبرلمانية والعامل والوالي والوزير؟ كيف يمكن تفسير فشل الحكومة في فرض الضريبة على الثروة وفي تمرير قانون تجريم الإثراء غير المشروع، فيما تمرر كل القرارات الصعبة على الفقراء والطبقة المتوسطة؟

عندما نطرح تنزيل مبدأ الحق في معرفة مصادر أموال بعض المسؤولين والمنتخبين والموظفين، فإننا لا نجانب الصواب، لأن الأرقام الرسمية بالمغرب تتحدث عن كلفة الفساد المقدرة ب5000 مليار سنويا كخسارة لخزينة الدولة، والمديرية العامة للضرائب تتحدث عن تهرب ضريبي تخسر من خلاله خزينة المملكة ما يقدر ب5300 مليار، فأين تذهب كل هذه الأموال التي يفترض أن يستفيد منها المواطن في الخدمات الاجتماعية ونسبة النمو وتوفير فرص الشغل وتكون قاطرة لتقدم الوطن؟ حتما سيكون الجواب بسيطا، إنها تذهب في اختلاس المال العام، الارتشاء، الشطط في استعمال السلطة، والتلاعب بالصفقات العمومية، وكل أشكال الفساد.

لقد طالبنا دوما بإقرار عدالة جباية، وبالتالي لا يعقل أن يؤدي مثلا طبيب في القطاع العام معدل 25 مرة ما يؤديه زميله الطبيب في القطاع الخاص، والكل يدرك راتب الطبيب الموظف في القطاع العام، وما هو دخل الأطباء في القطاع الخاص، وخير دليل الرقم المهول الذي صرحت به إدارة الضرائب عن التهرب الضريبي وما تخسر خزينة المملكة سنويا.

الحل البسيط، لأنه لا وجود لحل سحري، يكمن في الوقوف في وجه الغنى غير المشروع للوزراء والبرلمانيين والمنتخبين وكبار المسؤولين ومعهم بعض الموظفين، لأنه لو تمكنت الحكومة من وقف اغتناء السياسيين، فإنها حتما سوف تربح رهان التنمية وتخلق الحياة العامة وتحقق التوزيع العادل للثروات. المؤكد أن تطبيق سياسة من أين لك هذا؟ سوف تكشف لنا الغرائب، وتبين لنا ما تخسر الدولة، وكيف يستغل بعض كبار الموظفين والسياسيين مراكزهم للحصول على الامتيازات وتكديس المكاسب على حساب الدولة بطرق غير نظيفة، وحتما لو تمكنت الحكومة من محاربة الإثراء غير المشروع، ستكون قد شرعت فعليا في تنزيل القوانين التي تحارب الفساد وكل أشكال الريع السياسي. ولكن للأسف الحكومة تفضل الحلول السهلة والقفز على الحائط القصير، حائط المواطن البسيط والطبقة المتوسطة. لهذا نقول للحكومة والأحزاب كفى استغفالا للمغاربة، ولتبدؤوا من حيث تجب البداية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.