Home > كتاب الحدث > الافتتاحية > الافتتاحية: احتفالات خارج القيم

الافتتاحية: احتفالات خارج القيم

بقلم: عبد المنعم سبعي:

حملت التعليقات والمتمنيات المصاحبة لحلول السنة الميلادية الجديدة كثيرا من المفارقات بين الشباب والشيوخ، وبين النساء والرجال، كما عجت بعض المواقع والصفحات الخاصة بالفضاء الأزرق بأخبار بعض الانزلاقات الأخلاقية الخطيرة التي شهدتها احتفالات رأس السنة، ولأن السياسة هي دوما محرك كل شيء كان أخلاقيا أواقتصاديا أو اجتماعيا… فإن ملامح ما حدث خلال هذه الاحتفالات لا يمكن أن يقارب دون استحضار الأثر السياسي في الفعل الأخلاقي. فإلى وقت قريب كان الناس مقتنعون بمعنى فكرة، مفادها أنه إذا أردت أن تعرف شعبا فابحث في قضاياه واهتماماته وثقافته وفكره..وكانت هذه الأمور تبرز في كتاب أو صحيفة أو رأى كاتب أو مفكر وكانت تعبر عنه حتى الأغاني والنكت المتداولة، كل شيء كان هادفا وذا مغزى. وإذا حاولنا الآن أن نطبق هذه القاعدة على أحوالنا في مغربنا الحبيب فسوف نكتشف أن قضايانا واهتماماتنا تضاءلت كثيرا..في أيام زمان كانت قضايا بناء الوطن، والهوية وتحرير الأرض والبشر وقضايا الحريات والديمقراطية والأحزاب الحقيقية محور هذه الاهتمامات..وكانت الفنون تعكس ذلك كله إلى جانب الفكر بكل رصيده ومعاركه ومدارسه وكانت الأحزاب السياسية مجالا لمقارعة الحجة بالحجة وفضاء لتبني فكر وممارسة إيديولوجية..كان الكبار يختلفون في الآراء والمواقف ولكن بنزاهة وعلم وترفع وكان الفنانون يبدعون كل على طريقته وأسلوبه وكانت صراعات السياسة تظهر بوعي وانتماء ووطنية .. وكانت سمعة الوطن وتاريخه وثوابته خطوطا حمراء لا تجاوز فيها ولا تشويه.. وكان هناك ضمير عام يحكم سلوكيات المجتمع ابتداء بالخلافات في الآراء والمواقف وانتهاء بما يقال في وسائل الإعلام، وكان الضمير العام يحكم كل شيء لأنه يتجرد من كل نوازع المصالح والغايات.. كانت المعارك تدور على صفحات الجرائد ولكنها معارك أفكار وليست صراعا على صفقة أو أبواقا للجهة ما.. وكان للترفع في السلوك والأخلاق فرسان يعرفهم الناس، وكان للأقزام والمشوهين فكريا وسلوكيا أماكن تشبه بيوت السوء التي يرتادها المشوهون من البشر.. كانت الحياة بهذا الوضوح في كل شيء ولم تكن الأقنعة قادرة على إخفاء الحقائق.. والآن حاول أن تتابع مواكب الأشياء حولك سوف تكتشف أننا نعيش زمانا غريبا فلا فرق بين احتلال الأوطان وسيادتها بين بنائها وخرابها..ولا فرق بين الهاربين من النيران في أوطانهم والهاربين بثروات شعوبهم والكل مهاجر .. ولا فرق بين امة اهتزت لها أركان الكون وأمة مهزومة ممزقة ضائعة.. ولا فرق بين مسؤولين دخلوا مزابل التاريخ ومسؤولين كانوا تاجا للنقاء والصفاء والكرامة.. لا فرق بين فرق النفاق وفرق الحق، بين من أضاءوا العقول ومن افسدوا الناس بالباطل.. بين وجوه تراها وتشعر بحالة من الغثيان ووجوه تمنيت لو انك صافحتها ذات يوم .. لقد اختلت موازين الأشياء والبشر والأخلاق في عالم فقد كل القيم النبيلة وأصبح وكرا واسعا للأفاكين والمحتالين وتجار الفرص ..أمام هذه المظاهر أسائل نفسي في كثير من الأحيان عن الجدوى من الكتابة، وأسألها عن البداية التي غيرت فيها كلمات كل هذا العالم، لقد قيل يوما اغرس كلمة تجني الحكمة، وهل كل الكلمات كانت طريقا للحكمة؟ وماذا تفيد الحكمة مع مسؤول جشع، وطالب منحرف، و منتخب منافق عليم اللسان، ماذا تفيد الحكمة مع مواطن يرى كل هذا النفاق؟

هناك حقيقة فى علم استراتيجية المواجهات السياسية مفادها أنه في مواجهة الخطر لابد أن تتوحد صفوف المستهدفين حتى لو تباينت أهدافهم، ولهذا يبدو غريبا وغير مفهوم بعض المواقف الحزبية  التي تسعى دون خجل لزعزعة قناعة المواطن  في مواجهة لوبيات الفساد تارة باسم ضرورة المصالحة مع المتورطين سابقا في ملفات شائكة، وتارة أخرى بالسعي لاستغلال فقر الفقراء كذخيرة حية  في حرب الانتخابات.

ولست أريد أن أسمي أحدا بعد أن سقطت الأقنعة عن كثير من الوجوه ولكننى فقط أتساءل – مثل آلاف المواطنين كيف نامت ضمائر من كنا نخالهم من الشرفاء والذين تمخضوا عن فكر حر عفيف ورؤية سياسية مبنية على الواقع والوقائع التاريخية والمجتمعية؟  فكيف نامت ضمائرهم  ومجتمعهم يخوض أغرب منافسة مع جهات تجيد التحرك في الظلام مثل الأشباح التي يصعب توقع حدود حركتها من أين تأتى وإلى أين تتجه..!

أعود لأتساءل ماذا فعلت الكلمة في كواليس المجالس المنتخبة السابقة، وماذا حققت الكلمات لثني مسؤولين سابقين على توزيع التراخيص وتفويت مشاريع بعينها هي اليوم تعد وصمة عار في جبين من أخرجها وسنها ؟ وهل استطاعت الكلمات أن تعيد الهيبة إلى الملك العمومي وأن تعيد  النظام للشارع العام؟… اختلف الدارسون حول الغاية من الكلمات، فهناك من يراها سرا من أسرار الخالق، وهناك من يراها سبيلا لتزجية الوقت وضياعه، ولكن القلة القليلة هي التي صنعت من الكلمات واقعا آخر وعقدت الأمل عليها لتغيير الواقع من حال إلى حال.
لقد كنت أتصور أن يبادر أولئك الشيوخ ومن تقاعدوا في العمل الانتخابي حتى لا أقول في العمل السياسي أن ينزووا  إلى ركن سحيق للتوبة والاستغفار لعلهم يصادفوا ساعة الاستجابة، ويتركوا الفرصة للدماء الجديدة والكفاءات الشابة ربما قد تكون قادرة على صياغة برامج عمل ومشاريع تنموية تليق بمقام مدن هذا الوطن وسكانه وأبنائه.

إن مواعيد المكاشفة وقول الحقيقة  لحظات فارقة في تاريخ المجتمعات الديمقراطية ولا تحتمل أي أطروحات مضللة تحمل في طياتها كل معاني الخبث والخداع لأنها تسهم في زيادة الشكوك وتناميها حول جدوى الإصرار على محاربة الفساد والتغني بزمن الشفافية  والوضوح.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.