Home > كتاب الحدث > الافتتاحية > الافتتاحية: كفى غباء.. لقد اخترتم الأبواق الخطأ

الافتتاحية: كفى غباء.. لقد اخترتم الأبواق الخطأ

بقلم: عبد المنعم سبعي

بين الفينة والأخرى تنفجر بعض الأحداث التي تشوه الإعلام المحلي والجهوي على الخصوص، ومن أخطر القضايا التي بدأت تستفحل يوما بعد يوم قضية السطو على المقالات، وإعادة نشرها في مواقع غاب عنها القلم والإبداع، وحل محلهما آلات التصوير والكاميرات، حتى لم نعد نفرق بين الصحافي ومصور الأعراس وبين المؤسسة الإعلامية وممون الحفلات. ولم تنج جريدة “الحدث الشرقي” وموقعها من سطو على مقالات صحفييها، وإعادة نشرها دون ذكر للمصدر، وهذا لعمري ضرب صارخ لحق الملكية الفكرية، وتسلق على أكتاف الغير للوصول إلى أغراض وأهداف لم تعد خافية على أحد، ولكن التساؤل الذي بات يشغل بالنا اليوم هو من يضمن الحماية القانونية لمثل هؤلاء الذين امتهنوا مهنة الصحافة ظلما وزورا، ومن يعطيهم صفة التميز والانتقاء لتغطية أنشطة دون غيرهم من الإعلاميين والمنابر التي شرف طاقمها بالتكوين والنقاء؟ متيقنون أن الإدارات لا تعطي الهدايا المجانية للإعلاميين، وإن أي تستر أو حظوة يحظى بها منبر، إلا ويكون وراءها مقابل ووليمة مسمومة.

اعتقدنا منذ المصادقة على قانون الصحافة الجديد وتنزيل فصوله، أننا شرعنا في تشكيل منظومة جديدة للإعلام المغربي، يمكن أن نقول إنها خطوة أولى على الطريق بعد سنوات طويلة من حالات التسيب والانفلات التي أصابت هذا القطاع المهم، في ظل غياب تام لقرارات الحسم والإصلاح وتعديل المسار. نحن الآن أمام نصوص قانونية جديدة كان ينبغي أن تتجسد أمامنا بكل ثقلها منذ زمان مضى ولكن علينا الآن أن نصلح ما فسد وهو ليس بالقليل.. فمسؤولية مؤسسات الإعلام وفق القوانين الجديدة عليها أعباء كثيرة تبدأ بتصفية رواسب الماضي، وهى كثيرة وتنتهي عند استشراف آفاق لمستقبل يضع المغرب في موقعه الحقيقي، خاصة أن هذا الماضي لم يعد يتناسب مع ظروف العصر ومستجدات الحياة، وهنا يجب أن نضع أمامنا رؤى مستقبلية جديدة لإعلام جديد..
لم تعد تصلح تصنيفات مدارس الإعلام العتيقة التي قامت على التقسيمات السياسية والأيديولوجية التي أفسدت واقعنا الثقافي والفكري وضيعت أجيالا كثيرة ما بين تيارات سياسية لم تضف شيئا للواقع السياسي المغربي، بل زادته تخلفا واستبدادا، ولا يعقل أننا حتى الآن مازلنا ندور في فلك اليسار واليمين والمتدينين والكفار ونسينا فئة المسترزقين والتجار، ومازلنا نتعامل في قضايانا الجوهرية بمنطق إذا لم تكن معي فأنت ضدي، وتركنا شبابنا فريسة طيعة للإرهاب والتخلف وضيق الأفق والرؤى المنحرفة.. مازلنا بعد هذا العمر نجد مللا وفصائل ضيعت عمرها في انقسامات وقضايا خلافية فات أوانها حول النظم السياسية والاقتصادية والانفتاح وحقوق الإنسان الضائعة والحريات المسلوبة، رغم أننا لم نحقق إنجازا في أي منها، فلا نحن نجحنا في إخراج الناس من سراديب الفقر، ولا نحن أقمنا دولة صناعية رأسمالية غنية، ولا نحن واكبنا مسيرة العصر في التقدم والمعاصرة، ورقصنا دائما على الحبال، وقد حان الوقت أن ينسحب من المشهد الإعلامي المغربي كهنة هذه العصور، فلم تترك لنا غير الصراعات والأوهام والانقسامات والتخلف..جاء الوقت لكي تدرك فصائل الماضي أنها بفكرها وانقساماتها لم تعد تصلح لبناء وطن جديد ويكفى الذي ضاع، وهنا ينبغي أن تدرك الدولة أن أساليب الماضي لم تعد تصلح الآن في ظل مجتمع جديد وعالم متغير.
إن زعامات وعنتريات الإعلام المغربي لم تكن أبدا في صالح قضايا هذا الوطن..قد يكون البعض في هذه الزعامات قد كسب الأموال وحقق الشهرة، ورفع أسهم المعارك الوهمية، وقد يكون سوق الإعلان قد حقق أرباحا خيالية أمام فكر متخلف وثقافة مريضة، إلا أن الشيء المؤكد أن حرفية الإعلام المغربي قد ساءت، وأن الحقيقة قد غابت، وأنه خسر الكثير جدا من مصداقيته… نحن أمام إعلام أفسد حياة الشعوب، وشوه فكرهم، وأفسد العلاقات بين أبناء الوطن الواحد، وتاجر في الدرهم وفى البشر، وفى كل القيم الرفيعة.
كان اختلاط الأوراق في الإعلام المغربي من أخطر الظواهر التي أفسدت دوره حين وجدنا كل إنسان يتحدث في كل شيء فأصبح الحديث في الدين حقا لكل من هب ودب وانقسم الناس حول دينهم من يراه معجزة ومن يشوه صورته كل يوم، ومنذ غاب الفكر والثقافة والدين الصحيح عن إعلام المغاربة انتشرت الخفافيش وملأت السماء جهلا وظلاما.. على الإعلام أن يدرك مسؤولياته المهنية والأخلاقية، وألا يتجاهل مسؤولياته الوطنية، وعليه أن يتيقن أن العنتريات قد تبنى أمجادا شخصية مغرضة، وحين يتعارض ذلك مع بناء الأوطان يجب أن تكون لنا وقفة.. إن تشويه كل شيء وتدمير معتقدات الناس تحت أي مسمى وخلط الأوراق والحقائق وتضليل العقول وإفساد الشباب وتغييب الإنسان عن قضاياه الحقيقية، وأساليب الردح والحوار الهابط والفن الرخيص كل هذه الأشياء مارسها الإعلام المغربي في السنوات العجاف، وجاء الوقت لكي يطهر نفسه، وإذا لم ينجح في ذلك، فلابد أن يخضع لعمليات جراحية يتخلص فيها من رواسب الماضي البغيض، وأمراض الحاضر الكريهة..
لقد شوهت الامتيازات والأظرفة الغامضة والسرية صورة الإعلام المغربي أمام عناصر مشبوهة، وقد جاء الوقت لكي يتخلص الإعلام من هذه الصفحات المخجلة..هناك وجوه كثيرة في الإعلام المغربي جاء الوقت لكي تختفي تماما في ظل منظومة رشيدة لإعلام حقيقي، بل إن هناك أموالا كثيرة تسللت إلى جيوب تعرفها أجهزة الدولة الرقابي، ولابد أن يكون هناك وقت وزمان للحساب، وهناك أشخاص قاموا بأدوار مشبوهة لحساب جهات كثيرة، ولابد أن يعرف الشعب الحقيقة.
إن الانقسامات التي تشهدها الساحة الإعلامية الآن تمثل خطرا شديدا على مستقبل هذا الوطن، والغريب أن الدولة في أحيان كثيرة اختارت الأبواق الخطأ، وكان ذلك على حساب ثوابت كثيرة تلاشت أمام غياب الشفافية والمهنية الصحيحة.
لقد حان الوقت لكي يشعر الإنسان المغربي أن إعلامه يعمل لحسابه، وليس لحساب أطراف أخرى مجهولة الاسم والعنوان، وان على الدولة أن تحترم عقول أبنائها، وان تضع نهاية لهذا العبث وليكن قانون الصحافة الجديد أول الطريق.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.