Home > كتاب الحدث > الافتتاحية > الافتتاحية: ولائم مسمومة

الافتتاحية: ولائم مسمومة

بقلم: عبد المنعم سبعي

من المقولات الفلسفية الشهيرة تلك القولة التي تؤكد أن “الإنسان ذئب أخيه الإنسان” فهي مقولة  تجسد حقيقة الصراع بين البشر في مجالات حياتية مختلفة، وفي السياسة تجد من الشواهد ما يؤكدها أكثر، خصوصا عندما يتحول السياسي إلى مهووس بالمناصب ومتطلع إلى الكراسي، ويتحول الحزب إلى دكان انتخابي بئيس يجتمع به أشباه العصابات التي توحدت كلمتها على مزيد من الريع والفساد وكأنها وحوش ضارية اجتمعت على وليمة مسمومة، لذلك قد تجد هذه المقولة في تحويرها إلى مقولة ” السياسي ذئب أخيه السياسي” ما يبررها، خصوصا وأننا بدأنا نلمس بعض الاستعدادات للمحطات المقبلة ولو أن مواعدها لا زالت بعيدة، وكأن لسان حالهم يردد المثل الشعبي ” دجاج السوق يبات مكتف ” فحقيقة، المتمرسون بدروب الانتخابات والأحزاب يدركون أن الطريق إلى الكراسي والمناصب هذه المرة لن تكون مفروشة بالورود، وأن عسل الأمس قد يتحول إلى سم، وأن الأدوار التي لعبتها بعض الهيئات السياسية سابقا قد تنافسها فيها هيئات منافسة بنفس القدرة وبرؤى مشابهة لكن ربما برصيد سياسي أثقل وبأجندة أكثر قابلية من طرف المواطن البسيط، ولأن مدينة وجدة كانت في مختلف الاستحقاقات السابقة محط صراعات محمومة، لا زالت بعض صور هذا الواقع التنافسي عالقة بأذهان أبناء المدينة وبطريقة تشكيل بعض المجالس المنتخبة.. ولأننا كذلك فليس بدعا أن تشهد المدينة ولو قبل تحديد مواعيد الانتخابات أصلا كرا وفرا بين فاعلين في اللعبة السياسية إن لم نقل في اللعبة الانتخابية، تكبر بالواضح سعي البعض إلى المال والسلطة ولو على حساب إنسانية المواطن ومصلحة المدينة.

إن السعي الحثيث إلى المال والمناصب أمر جبلي في الإنسان، ومتجدر في نفسه، فالمال عز وجاه وقوة ولكنه مثل كل الأشياء إذا كان طيبا حلالا تراه كالماء النقي الجميل وإذا كان حراما تراه مستنقعا ملوثا تفوح روائحه في كل مكان..والمال الحلال نعمة والمال الحرام نقمة وتستطيع أن تعرف الإنسان اللص والمسؤول السارق والمنتخب الغشاش من روائحه، انه يرتدى أفخم الثياب وأغلى أنواع البدل وربطات العنق والعطور الباريزية  ولكنك تشم روائحه الكريهة على الشاشات وفى التليفونات وتستطيع ان تحدد مكانه في أي ارض تحتويه..إن للأنقياء روائح طيبة وللصوص أيضا علامات يعرفها الناس..والمال الحرام يحمل بذور نهايته حتى ولو تجمع فى خزائن الأرض وأرصدة البنوك، انه يهبط على صاحبه ذات مساء حين لا يجد أحدا يحميه من مرض أو كارثة..ولو أننا رصدنا نهايات اللصوص الذين نهبوا أموال المواطنين المستضعفين سوف نسمع كوارث كثيرة وحكايات وقصصا، لأن الحرام يلوث كل شيء حوله بينما يشع المال الحلال نوراً وعدلا وفضيلة. في أحيان كثيرة حين ينقض الإنسان على صفقة فاسدة يشعر بالسعادة والأموال تهبط عليه من كل مكان والملايين تنساب بين أيدي أبنائه انه في غمرة سعادته بما جمع لا يدرى أن هناك سموما تجرى في دم أطفال صغار سوف يتركهم وحدهم فى الحياة وهو لا يدرى انه زرع سموما في أبدانهم..إن دعوات المظلومين الذين ينامون في العراء وصرخات الجوعى وآلاف المرضى الذين ينامون أمام طرقات المستشفيات سوف تكون شاهد عدل ضد كل من ظلم وأخذ من أيدي الناس ما لا يستحق، ليت كل إنسان جلس على تلال من المال بغير حق ان يراجع دفاتره قبل فوات الأوان وان يعيد للمحرومين حقوقهم ويخرج السموم من أجساد أبنائه حتى لا يرث الصغار لعنات تطارد الآباء والأبناء كل العمر. في بعض الأحيان يستفحل الظلم ويتصور الظالم أن الحساب بعيد ثم يكتشف انه قريب جدا..فيتيقن أن عدالة السماء لن تغيب.

ثم إن المناصب أحيانا تكون سلما للمجد، وحين يهبط الإنسان لا يبقى له شيء من السلطة ولكن يبقى له الإنسان.. في أزمنة التراجع قد لا تجد المكان الذي تستحقه فلا تحزن ، ويكفى أن تعرف قدر نفسك إذا لم تجده من الآخرين.. إن المهم أن تبقى إنسانا وفى مواكب البشر هناك صفات ثلاث تجعلك دائما أكثر إنسانية إنها الحب والعدل والجمال.. إنك بالحب تتجاوز كل ما حولك لأنه يجعلك أكثر شفافية وإحساسا.. وحين يغيب الحب تختفي أشياء كثيرة من حياة الإنسان، إن الحب يمنحنا القوة ونحن نواجه عواصف الحياة ويمنحنا الأمل لكي نصنع الغد الأجمل ويمنحنا الذكريات التي نعيش عليها سنوات عمرنا ونحن نشعر أننا أغنى من كل الناس.. وحين يجتمع الحب مع الجمال يتغير لون الحياة وترى العالم حولك جميلا في كل شيء.. إن الجمال هو أقدس مخلوقات الله وإذا أردت أن تعرف أين يسكن الجمال فسوف تكتشف انه يحيط بك من كل جانب في الماء والسماء والأشجار، وقبل هذا كله سوف ترى الجمال في نفسك فتكون أكثر ترفعا ونبلا. إن الجمال يخلق في الناس أشياء تميزهم عن الآخرين.. هناك إنسان يشعرك بالكآبة كلما رأيته انه يحمل رصيدا طويلا من الكراهية والحقد على كل شيء، وهناك إنسان تضيء أمامك ملامحه وكأنه ملاك هبط من السماء، إن لغته راقية ومشاعره متدفقة وإيمانه عميق وهو يحب كل شيء ولا يستطيع أن يكره.. أما العدل فهو السلطان الدائم الذي تطوف حوله مواكب البشر باختلاف أجناسهم وألوانهم وويل لأوطان غاب عنها العدل، انه ليس فقط قانونا يحكم العلاقات بين الناس ولكنه الميزان الذي تقوم عليه أركان الحياة فإذا أضل فسدت الحياة.. ضع نفسك في المكان الذي ترى انك جدير به، ولا تترك مجالا للآخرين مهما علا قدرهم أن يهمشوك ويلقوا بك في خرائب نفوسهم الضعيفة.

أملي في أن تلقى هذه الصرخة أذانا صاغية من طرف أولئك الذين أحسوا بدنو آجالهم الانتخابي وحتى السياسي، ليتركوا المواطن البسيط يتلذذ بجمال المدينة، وبهاء الطبيعة، وفوز فريق رياضي، وينتشي بفرصة عمل لا إكراه فيها، ويفرح بمساعدة خيرية لا مقابل من ورائها..

فليس من الضروري أن تكون صاحب سلطة أو كرسي أو مال غزير لتكون كبيرا.. ولكن حاول أن تكون إنسانا حتى ولو لم يكن لديك منصب ولا مال..

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.