Home > كتاب الحدث > الافتتاحية > الافتتاحية: الرياضة والسياسة: إثنان في واحد

الافتتاحية: الرياضة والسياسة: إثنان في واحد

بقلم: عبد المنعم سبعي

تعيش مدينة وجدة هذه الأيام على وقع حدثين هامين ينتظر منهما أن يكفكفا بعض الدموع عن ساكنة المدينة ومحبيها، أول الحدثين المصادقة على ميزانية المدينة لسنة 2019، وثانيهما السماح لنادي المولودية الوجدية باللعب بالملعب البلدي، وما بين الحدثين تقاطعات أهمها المصالحة مع الوجديين بعد نفاذ الصبر وتغلغل اليأس في النفوس.

عادت المصادقة في دورة استثنائية على مشروع ميزانية الجماعة برسم عام 2019 بعد الامتناع عن التصويت لثلاث أعوام  تستأثر باهتمام المتتبعين والمحللين، لما حملته من مفاجآت سياسية غريبة الأطوار، إذ انقسم فريق الأصالة والمعاصرة إلى فريقين متناحرين بعدما كان الود والمصالح المشتركة توحد مسيرة مستشاري الجرار بجماعة وجدة، ولم ينقد حال الجماعة إلا انصياع مستشاري المصباح لإملاءات فوقية، الكل يقر بوجودها، والكل يتلمس آثارها، وسيكون لها ما بعدها، خصوصا في تعامل الرئيس مع مستشاري العدالة والتنمية، من حيث إبداء حسن النوايا بشأن وضع لوجستيك الجماعة لصالح رفاق العثماني في تدخلات لا تخلو من كونها تندرج ضمن الحملات الانتخابية.

المؤكد أن مشروع الميزانية قد تم إنقاذه، والمؤكد أيضا أن مجلس جماعة وجدة فوت على المدينة الكثير من فرص التنمية خلال السنوات الثلاثة الماضية،  لكن ما يهمنا أكثر هو هذا التكالب على مصالح مدينة وجدة وسكانها خدمة لأجندات معينة، لقد نبهنا في هذا المنبر منذ تشكيل مكتب هذه الجماعة إلى أن صعوبات كبيرة ستعترض مسيرة هذا المجلس لأنه كما يقال خرج من الخيمة مائلا، وكنا نتوجس أن لا تأتي انتخابات الرابع من شتنبر 2015 بثمارها الديمقراطية وأن تزيد من معاناة مواطني وجدة فيما يتعلق بالخدمات المفترضة في المجالس المنتخبة، وكان هذا التوجس يضمحل بين الفينة والأخرى حينما نغلب بعض الإيجابيات التي جاءت بها هذه الانتخابات، ومع وعينا بأن لكل وسيلة غاية تبررها ، فقد كان العنوان البارز لهذه الفترة الماضية من عمر هذا المجلس تتلخص في تعطيل مصالح المواطنين وتفويت فرص مهمة من تنمية مدينة وجدة بسبب التأخر في صرف الميزانية والشنآن القائم بين الرئيس ونوابه

إن طريقة تشكيل مكتب بلدية وجدة الحالي في بدايته، والمد والجزر الذين عرفتهما المفاوضات والتحالفات الحزبية والإملاءات التي فرضت على أحزاب من مكاتبها المركزية، كانت تحمل من الإشارات ما تؤكد على أن مخاطر كثيرة وصعوبات جمة تنتظر المجلس الجماعي لمدينة الألف سنة، ولعل اندلاع شرارات البيانات منذ نهاية جلسة انتخاب الرئيس ونوابه سواء من حزب المصباح أو حزب الميزان يكبر هذا المعطى بالوضوح اللازم، الكل كان غير راض، فلا حزب الاستقلال قنع بالرئاسة التي لم يكن يحلم بها، ولا حزب الجرار استطاع أن يستسيغ الطريقة التي زهد بها في منصب طالما حن إليه، ولا حزب المصباح كان قادرا على تجاوز آلام الضربات التي تعرض لها.

يحق لكل متتبع أن يطلق على السنوات الماضية الثلاثة من عمر المجلس الجماعي لمدينة وجدة بالسنوات العجاف، فقد عاشت مدينة وجدة خلال هذه االسنوات ، ظروفا صعبة وغير منتظرة، كان عنوانها ترهل الخدمات الجماعية وفشو الفوضى، وغياب مصلحة المدينة والسكان من أجندة الفرق الحزبية، فما بين أحلام التغيير وتجويد الخدمات الجماعية وبين قيود الارتباك ورفض الميزانية في الدورات العادية والاستثنائية، وتخلي نواب الرئيس عن تفويضاتهم عاش الوجديون مرارات متكررة ومسترسلة بدأت بشيوع الفوضى في الشوارع واحتلال الملك العمومي، واستشراء الفساد في أجل مظاهره ببعض أقسام البلدية، فتخلت البلدية تبعا لذلك عن الكثير من مسؤولياتها. لا يهمنا تعليلات كل فريق بخصوص قراراته سواء بخصوص رفض الميزانية أو بخصوص صب مزيد من الزيت على نار الحزازات، فلكل تداعياته وحساباته الراهنية والمستقبلية، ولكن ما يهمنا أكثر هو هذا التكالب على مصالح مدينة وجدة وسكانها خدمة لأجندات معينة.

من جهة ثانية وكما عبر عن ذلك بلاغ لنادي المولودية الوجدية، فقد سمح أخيرا لسندباد الشرق  أن يستقبل منافسيه بالملعب البلدي بعدما أعياه توسل الملاعب بالمدن القريبة والبعيدة حتى كنا نتساءل عن الأيادي الخفية التي كانت ترتب بشكل متقن  لضياع المولودية بين الرباط وبركان وفاس؟ ومن المستفيد من النتائج البئيسة المصاحبة لكل ابتعاد عن عقر الديار؟

متفقون أن فريق المولودية الوجدية يعيش مراحل عصيبة من حيث النتائج والترتيب في ذيل قائمة فرق البطولة الاحترافية، ومتفقون أيضا أن الفريق الحالي بالنظر إلى حجم الإمكانيات التي وفرها المكتب المسير للطاقم التقني كان بالإمكان الحصول على مراتب مشرفة، ومتفقون ثالثا على أن  حب الفريق طبيعي أن يدفع بالغيورين إلى الامتعاض وحرق الأعصاب، لكن أن يصل الأمر بالسياسيين الذين يتوجسون من بقاء المولودية الوجدية من بين فرق الصفوة وربما احتلال مراكز متقدمة في البطولة الاحترافية إلى إبعاد فريق المولودية أولا عن وجدة، ثم عن بركان، ورميها بالرباط في مرحلة أولى، وبفاس في مرحلة ثانية، فهذا قمة العبث.

الجميع يتحدث عن حالة التجريف الرياضي التى حدثت لمدينة وجدة فى السنوات الماضية أمام أسباب وظواهر نعرفها، كان أهمها وأخطرها إهمال الرياضة الحقيقية وتهميش دور القدماء من أبناء المدينة وإفساد منظومة التكوين بالمدارس الرياضية ، كلها أسباب نعرفها ولكن الجديد الآن أن المسؤولين والمسيرين  أدركوا عن وعى مخاطر إهمال الرياضة بهذه المدينة الحدودية التي أنهكها إغلاق الحدود مع الجزائر .

إذا أردنا أن نعرف ونشخص الحالة التي وصل إليها واقعنا الرياضي، علينا أن ندرس الأسباب لكي نصل إلى الظواهر وهى واضحة أمامنا في كل شيء، ابتداء بفوضى الارتزاق بمكاتب التسيير وانتهاء بعزوف أبناء المدينة والغيورين عليها من الخوض في مستنقع الرياضة.  ومن أراد أن يعرف حقيقة وجدة الرقى والتحضر والترفع ابحث عن أسماء الفيلالي ومغفور والسميري ومرزاق وحديدي ومصطفى الطاهري… وقبل هذا عليه أن يستحضر تسيير مصطفى بلهاشمي وتفانيه في حبه لفريق المولودية الوجدية.

إن صعود فريق المولودية الوجدية خلال هذا الموسم لا ينبغي أن ينسينا في الشخصيات التي بذلت ما في وسعها لتحقيق هذا المبتغى منهم المقاول الذي بذل من ماله، ومنهم المنتخب الذي خصص الميزانيات لدعم الفريق ومنهم المسؤول الذي اهتم لهم الفريق، وعلى رأس هؤلاء كلهم يتربع الجمهور الوجدي الذي كان خير من قدم العون والمدد وكان أحسن متكأ وسند.

المؤكد أنه حين تختلط الأوراق وتتداخل الرؤى وتتغلب لغة المصالح تفقد الرياضة معناها ‏..‏يفقد التسيير براءته‏..‏ ويفقد الجمع العام قدسيته‏..‏ وتفقد الأحداث غايتها‏..‏ هناك فرق كبير بين مكتب مسير وأمامه حلم كبير في التغيير والألقاب فتوحدت كلمته نحو هدف واحد‏..وشرذمة انقسمت على نفسها بين فريق يبحث عن غنائم وفريق آخر يدبر المؤامرات وفريق ثالث يملك الحلم ولا يملك الخبرة والإرادة والمال.. راودتني هذه الأفكار وأنا أتابع أحاديث المهتمين بالشأن الرياضي في المقاهي والاجتماعات السرية والعلنية، حيث عادت مختلف الشرائح تسترجع ذكريات الفريق الأخضر والأبيض بعد فترة ركود طال أمدها، وقلت لنفسي المدينة هي المدينة.. والوجديون هم الوجديون.. والمشاعر ربما هي نفس المشاعر، لكن هناك شيئا خطيرا تغير وهو أن النفوس لم تعد كما كانت في صفاء الضمائر ووضوح الهدف وصدق الغاية ومنذ انقسمنا ضاعت براءة الحلم ونشوة الانتصار.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.