احدث المقالات
Home > كتاب الحدث > الافتتاحية > الافتتاحية: هروب إلى الأمام

الافتتاحية: هروب إلى الأمام

بقلم: عبد المنعم سبعي

تزاحمت خلال الأسبوع المنصرم مجموعة من الأحداث ذات الصلة بالعلاقات المغربية الجزائرية، وتنحو في مجملها إلى أن الجزائر لا زالت تهرب إلى الأمام فيما يخص الجلوس على طاولة المفاوضات، فبعد الخطاب الملكي الذي مد فيه يده إلى الأشقاء الجزائريين واقتراح آليات للحوار بنية الوصول إلى نتائج يتطلع إليها الشعبان الجاران، لم تجد الجزائر أي رد على هذه الدعوة النبيلة سوى الإعلان عن مؤتمر لوزراء خارجية المغرب العربي في تجاهل تام للاقتراح الملكي. هذا التخوف من الجلوس على طاولة المفاوضات مع المغرب تعبر عنه أحداث مفتعلة واستباقية من أجل التشويش على المغرب ومبادرته الملكية.

أولى هذه الأحداث هو ما أعلنت عنه جبهة البوليساريو، وفي تصعيد انفصالي جديد، عندما أكدت تدشين ووضع الحجر الأساس لبناء منشآت في منطقتي أمهيريز وتفاريتي، رغم تعهدها للأمم المتحدة بعدم نقل، أو تشييد أي منشأة في المنطقة الواقعة في شرق الجدار الرملي من الصحراء المغربية. وقد نقلت “الأحداث المغربية” أنه قبل أيام فقط من انطلاق مباحثات المائدة المستديرة في جنيف السويسرية، بين المغرب و”بوليساريو”، بحضور كل من الجزائر وموريتانيا، اختارت الجبهة التصعيد في المناطق الواقعة في شرق الجدار الرملي.  ومعلوم أن “البوليساريو” سبق لها، حسب ما جاء في تقرير الأمين العام الأممي، أنطونيو غوتيريس حول الصحراء، أن قدمت تأكيدات بعدم نقل أي منشآت إدارية إلى الجزء الواقع في شرق الجدار الرملي من الصحراء، عملًا بالقرار الأممي 2414 الصادر في أبريل الماضي. فهذه أولى المناورات والرسائل التي تواكب الدعوة المغربية لفتح الحدود والاستجابة لتطلعات الشعبين الشقيقين.

ثاني الأحداث ما كتبته جريدة الخبر الجزائرية ليوم الاربعاء الماضي بعنوان: ” سياج أمني بطول 6 آلاف كلم لتأمين الحدود ” حيث أوضحت قرار الجزائر بإعادة بناء سياج حدودي مع المغرب، يمتد طوله نحو 1600 كلم ، والاعتماد على المئات من أبراج ونقاط المراقبة. وذكرت الجريدة أن هذا السياج الأمني يتكون من خنادق لمنع مرور السيارات والشاحنات في المناطق الترابية، ويتكون من 3 طبقات، الخندق ثم الساتر الترابي ونقاط المراقبة التي تجعل من اجتيازه مهمة صعبة جدا. وقالت نفس الجريدة  ان هذا الإجراء محاولة لإحكام السيطرة على الحدود، من خلال” سياج أمني ” بدأت وزارة الدفاع في إنشائه. ولئن كان هذا القرار سياديا بالنسبة للجزائر فهو في هذه الظرفية له أكثر من دلالة بخصوص النوايا الحقيقية للجزائر والرسائل التي يراد إيصالها للمغرب. وربما هذه الرسائل التي وعاها المغرب بكثير من التوقد هو ما دفع بالمغرب إلى مطالبة الجزائر برد رسمي على المبادرة الملكية المغربية لإنشاء لجنة سياسية مشتركة للحوار بشأن القضايا الخلافية بين البلدين.

فبعد مرور 20 يوماً على إطلاق العاهل المغربي الملك محمد السادس مبادرته بشأن إحداث آلية سياسية مشتركة مع الجزائر للحوار والتشاور، أعلنت الرباط أنها تظل “منفتحة ومتفائلة” بخصوص مستقبل العلاقات مع الجزائر، وجددت طلبها للسلطات الجزائرية لتعلن، رسمياً، عن ردها على مبادرة الملك محمد السادس.
وجاء الطلب المغربي في بيان لوزارة الخارجية المغربية، صدر عقب مباحثات أجراها وزير الخارجية والتعاون الدولي المغربي ناصر بوريطة، مع سفير الجزائر لدى الرباط، وهو اللقاء الذي جاء بعد عدة مبادرات رسمية وغير رسمية، تم القيام بها دون جدوى على مدى عشرة أيام، قصد ربط الاتصال مع السلطات الجزائرية على مستوى وزاري.
وأوضح البيان أن بوريطة جدد للسفير الجزائري رغبة بلاده في معرفة الموقف الرسمي للسلطات الجزائرية، تجاه مبادرة إحداث آلية سياسية للحوار والتنسيق مع الجزائر. وذكر البيان أن مبادرة ملك المغرب، التي حظيت بتنويه عدد كبير من الدول والمنظمات الإقليمية والدولية، تنبثق من إرادة صادقة لخلق إطار حوار ثنائي مباشر ودون شروط، من أجل تبديد جميع الخلافات بين البلدين، واستئناف تعاونهما، والتركيز على التحديات الإقليمية. وأوضح أن المملكة المغربية تظل منفتحة ومنصتة لجميع اقتراحات الجزائر، فيما يخص مستوى الحوار الثنائي ومحاوره، وجدول أعماله وطبيعته.
في غضون ذلك، ذكر البيان أن المغرب أخذ علما برسالة الأمانة العامة لاتحاد المغرب العربي، بتاريخ 23 نوفمبر الجاري، والتي تتضمن إخبارا بالطلبين التونسي والجزائري، الداعيين إلى عقد اجتماع لمجلس وزراء الشؤون الخارجية لاتحاد المغرب العربي.
وأوضح البيان أن الطلب الجزائري بشأن عقد اجتماع مجلس وزراء خارجية الاتحاد لا علاقة له بمبادرة ملك المغرب، ذلك أن هذه الأخيرة، يقول البيان، هي ثنائية صرفة، بينما تندرج الخطوة الجزائرية في إطار استئناف البناء الإقليمي.
وزاد بيان الخارجية موضحاً أن وضعية الجمود، التي يعرفها اتحاد المغرب العربي منذ سنين، تعود بالأساس إلى الطبيعة غير العادية للعلاقات المغربية – الجزائرية، والتي لا يمكن معالجتها إلا في إطار حوار ثنائي، مباشر ودون وسطاء.
وأضاف البيان أن اتحاد المغرب العربي والدول الأعضاء ظلوا يدعون، وإلى غاية الأسبوع الماضي، إلى حوار مغربي – جزائري من أجل تجاوز خلافاتهما، في إطار روح حسن الجوار، والتطلع المشترك للرقي إلى مستوى انتظارات الشعوب الخمسة الشقيقة. كما ذكر أن المملكة المغربية، التي تظل متمسكة باستئناف البناء المغاربي على أسس سليمة وصلبة، تجدد طلبها للسلطات الجزائرية، لتعلن رسمياً عن ردها على المبادرة الملكية لإحداث آلية سياسية مشتركة للحوار والتشاور. مشيرا إلى أن المغرب لا يمكنه إلا أن يأسف لكون هذه المبادرة لم تعرف الرد المأمول، خصوصا أنها كانت دائما محط طلب من طرف الجزائر ذاتها. ورغم هذا المعطى، فإن المملكة تظل منفتحة ومتفائلة إزاء مستقبل العلاقات بين البلدين الشقيقين.
وخلص البيان إلى القول بأن المغرب يأمل دائما في أن تتمكن الاتصالات الإنسانية المباشرة من تقديم الجواب الملائم للخلافات الثنائية.

ويظل بيان وزارة الخارجية المغربية أحد الوسائل التي وضعت السياسة الجزائرية في مأزق حقيقي عندما وضع النقاط على الحروف، وستبقى العلاقات الجزائرية المغربية حبيسة الرسائل البروتوكولية والتصريحات الودية من الطرفين وهي في مجملها تدعو إلى الحوار المباشر والتفاهم بين الأشقاء في وقت لم ترد الجزائر أن يتجسد على الأرض أي لقاء رسمي على أعلى مستوى أو حتى تجاوز الخلافات المطروحة بين البلدين، أبرزها ما تعلق بقضية الصحراء المغربية. وما دامت الجزائر تنصلت حتى من مطالبها السابقة لفتح الحدود لا يسعنا إلا أن نعلن أن في تعنت الجزائر وتهربها إفراغا للمرحلة من محتواها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.