احدث المقالات
Home > كتاب الحدث > الافتتاحية > الافتتاحية: أحزاب وأحزاب

الافتتاحية: أحزاب وأحزاب

بقلم: عبد المنعم سبعي

يعرف المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي المغربي مجموعة من الاختلالات التي لا يتناطح حولها عنزان، ويبقى دور الأحزاب السياسية في أي مجتمع ديمقراطي المرآة التي تعكس واقع المجتمع وتبرز ملامح الحياة السياسية التي تطبع البلد، لذلك  وضع الخطاب الملكي لعيد العرش الأخير قدرة وجدية الأحزاب السياسية تحت مجهر المساءلة، وطالبها بضرورة العمل على استقطاب نخب جديدة، وتعبئة الشباب للانخراط في العمل السياسي، لأن أبناء اليوم، هم الذين يعرفون مشاكل ومتطلبات اليوم، فقضايا المواطن لا تقبل التأجيل ولا الانتظار، لأنها لا ترتبط بفترة دون غيرها. والهيئات السياسية الجادة، هي التي تقف إلى جانب المواطنين، في السراء والضراء.

إن صفحات التاريخ تحفل بنماذج من القيادات الحزبية التي اعتمدت البقاء في أعلى هرم الهيئة، وبلقنت الهياكل الحزبية، وتخلت عن المناضلين الشرفاء،  وانتهجت مناهج الظلم وجنحت للارتشاء واتخذت من معاكسة مصالح الوطن عقيدة، فحالها كحال العصابات، لا تصنع أمجادا ولكنها تصنع الكوارث والمصائب، أما المناضل الحزبي الحقيقي فهو الذي يشيد ويبني ويقدم للحياة أجمل ما فيه، ويسخر لخدمة الوطن أعظم ما فيه وهو عقله وقلبه. فلا تحزن أيها المناضل الشريف إذا وجدت حولك أشباحا من المرتزقة الذين باعوا أنفسهم للشيطان من أجل مصالح زائلة، وإذا كان الحق قد اختفى في زحمة الباطل والظلم، فهو قادر على أن يطل مرة أخرى وتراه شامخا رافعا هامته منتصب القامة يمشي وسط كهان الشعارات ومروجي الأوهام.. لا تحزن إذا اختفت الشمس قليلا خلف سحابة الضلال، لأن البقاء للشمس ولا بقاء للضلال، فالفرق شاسع والبون واسع بين أن تظلم إنسانا وان تظلم وطنا أو مدينة أو ساكنة برمتها وان كانت النتيجة واحدة.. فالفرق كبير بين أن تظلم شريكا وان تحرق مدينة، وبين أن تقترض مبلغا من المال لا ترده لصاحبه وان تنهب ثروة جماعة أو مدينة ثم تتركها ضائعة.. ظلم الأفراد مساحة صغيرة جدا فى حياة البشر، ولكن ظلم الوطن مأساة كبرى تتحملها الأجيال جيلا بعد جيل.. وحين يتصور المسؤول الحزبي  انه يملك كل شيء في دائرته تسقط عليه اللعنات من كل جانب وتطارده أشباح الكراهية في كل مكان، وإذا أردت أن تقيم شيئا فانظر إلى نهايته ولا تتوقف كثيرا عند البدايات لان النهايات هي الفيصل وهى آخر صورة للإنسان قبل أن يلقى قدره.. ومن أسوأ النهايات في الحياة أن يغمض الإنسان عينيه وتمتد أمامه مواكب الوجوه التي ظلمها في حياته وتتابع أمام عينيه مجموع المشاريع التي غش فيها وطنه أومدينته أو قريته.. وأسوأ أنواع الحزبيين والسياسيين الذين ائتمنهم الناس على مصالحهم فخانوا الأمانة، فهم ظلمة بكل معنى الكلمة، لأنه تدخل في إرادة الله وسلب من الناس حقوقهم وحرمهم من فرص الحياة الكريمة الآمنة التي أرادها الله لعباده.. وفى مواكب الرحيل نجد أناسا تحيطهم من كل جانب مشاعر صادقة من الحب والعرفان، والقلوب تودعهم بأصدق الدعوات والعيون تحيطهم بأصدق الدموع لأنهم كانوا أمثلة حية لشرف الكلمة وتحمل المسؤولية فكانوا بذلك ميزان عدل وخير

وتسامح.. وهناك آخرون تسبقهم إلى مصيرهم المشؤوم لعنات أناس مظلومين وصرخات قلوب حرمها الظلم من ابسط حقوقها في الحياة..  إن أسوأ ما تصاب به جماعة أو أمة  هو مسؤول منتخب غشاش ظالم قد ينجو من عذاب الدنيا، وقد يتنازل السكان عن حقوقهم وأحلامهم، ويبقى حساب السماء نهاية كل ظالم، فالناس من ذوي الضمائر الحية تخاف أن تظلم فردا واحدا من المجتمع لأنها تدرك أن الظلم ظلمات يوم القيامة، وأن مرتع الظلم وخيم، وعاقبته سيئة، ولو بغى جبل على جبل لدك الباغي منهما، فما بال أولئك الذين يظلمون ساكنة ووطنا برمته.

إن الصراع بين الحق والباطل صراع قديم قدم البشرية، ويظل الباطل يعربد ويراوغ إلى أن يتمكن منه الحق في قبضة لن تفلته، لذلك لن يرهب ذوي النفوس العالية أمر استقواء الباطل في لحظة من اللحظات، وإن وجد للباطل كهان أكثر من فرسان الحق… لأن الوقائع والشواهد تؤكد أن الحق كان دوما وفي كل زمان ومكان غريبا، فلا مجال لليأس والحزن إذا ما طاردتك أكاذيب الحزبيين وحاصرتك أباطيل السياسيين، وغلب على الحياة ألوان من الزيف والدجل، فكن على يقين تام أن الزمن قادر على كشف الحقيقة مهما تمادى البشر في إخفائها والتحايل عليها.

لقد علمتنا تجاربنا وتجارب غيرنا أن الناس صنفان أحدهما صنف يتكون من أشخاص يفخر التاريخ بهم، وثانيهما أفراده من أشباه الكهان الذين احتوتهم مزابل التاريخ بكثير من الترحاب، والفرق بينهما هو تمثل الحق والتشبع به،  لأنه لن تتساوى أبدا أيادي لوثها الباطل وأياد أخرى كانت من أوسمة الصدق والنقاء .. فرق كبير بين أن تكون مسؤولا منتخبا أومعينا وأن تكون قائد عصابة ، فللمواطن قدسيته لأنه يحمل روح الوطن بما يعنيه من الأرض والزمن والتاريخ،  أما العصابات فهي جماعة من البشر تجتمع على وليمة حتى وإن كانت مسمومة .. فقد تفرح العصابات حين تقتنص فرصة  أو تصنع مؤامرة أو تنقض على ضحية، ولكن تبقى في النهاية مشروع عصابة، أما الشعوب فهي التي تصنع التاريخ سواء كان معها أو ضدها، ويبقى التاريخ واقفا في محراب قدسية هذه الشعوب راكعا مطأطأ الرأس لأنه يدرك أنه أمام قيم وأمجاد

وحضارة..

الكل واع اليوم بمسؤولية الأحزاب من أجل أن تقوم بدورها في الوساطة بما تعنيه من تمثيل وتأطير المواطنين كما ينص على ذلك دستور البلاد، لاسيما وأن عددا من الأحداث الاجتماعية، التي شهدتها البلاد لم تلعب فيها الهيآت السياسية أي دور في عملية الوساطة بين المؤسسات والمواطنين. لكن قيام الأحزاب السياسية بأدوارها كاملة يمر من خلال عدد من الإجراءات الواجب القيام بها من طرف فاعلين مؤسساتيين مختلفين، منها “استقطاب نخب جديدة وتعبئة الشباب للانخراط في العمل السياسي”، فأحزابنا السياسية في حاجة إلى استقطاب نخبة سياسية شابة قادرة على ابتكار الحلول وتقديم البدائل المجتمعية، وليس “نخبة سياسية” لا تقوم سوى بعملية التنفيذ السليم للأوامر، ومنها ثانيا وجوب الاعتراف بأن نسبة كبيرة من أحزابنا لا تتوفر على بنية استقبال صلبة تمكن من إدماج مختلف الطاقات. وهذا ينعكس على الديمقراطية الداخلية وإعمال المساطر. من بين الإشكاليات التي تعيق عمل جزء كبير من الأحزاب السياسية يكمن أساسا في ضعف الديمقراطية الداخلية. ومنها ثالثا ضرورة استقلالية القرار الحزبي وتتجلى في ضرورة رفع اليد عن الفاعل السياسي، من أجل أن يقوم بدوره ووظيفته التي وجد من أجلها.

إن قيام الأحزاب السياسية بوظيفتها كاملة، يقتضي الأخذ بعين الاعتبار هذه الملاحظات وإلا فإن الهوة السحيقة بين النخبة السياسية والمواطنين ستزيد في الاتساع، لتنفجر على شكل احتجاجات اجتماعية هنا وهناك.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.