احدث المقالات
Home > الحدث > الحدث الجهوي > الخطاب الملكي الأخير: يد ممدودة للجزائر والأمم المتحدة ودعوة للقطع مع الريع وازدواجية الولاء والابتزاز بالداخل

الخطاب الملكي الأخير: يد ممدودة للجزائر والأمم المتحدة ودعوة للقطع مع الريع وازدواجية الولاء والابتزاز بالداخل

يكتبها الدكتور زهر  الدين طيبي: في سياق الموقف المغربي الثابت من قضية الوحدة المغاربية، واستمرار حالة الركود التي يعيشها اتحاد المغرب العربي، وكذا استمرار إغلاق الحدود غير المبرر بين المملكة المغربية والجارة الشرقية الجزائر، منذ 1994، دعا جلالة الملك في خطابه بمناسبة الذكرى 43 للمسيرة الخضراء، السلطات الجزائرية إلى وضع آلية لتطبيع العلاقات المغربية الجزائرية، وأكد أن المغرب مستعد لحوار مباشر وصريح مع الجزائر لتجاوز الخلافات الثنائية. لقد أعلن جلالة الملك بأن المغرب منفتح على جميع المبادرات دون شروط واستثناءات، في احترام تام لمؤسسات كل دولة، وثوابتها. هذه الدعوة الجديدة يجب أن نضعها في مقاربة المملكة الناجعة في مبادئ التعامل داخليا وخارجيا، مع مختلف الملفات الكبرى، على اعتبار أنها تأتي على بعد أسابيع من القاء المرتقب بين الأطراف الحقيقية في النزاع المفتعل بجنيف، حيث لأول مرة ستكون الجزائر حاضرة كطرف في التفاوض، وهي التي تمتلك القرار الحقيقي، وليس الجبهة الانفصالية، لهذا فالحوار الصريح والمكشوف بين المغرب والجزائر من شأنه أن يمهد لهذا اللقاء، وقد شدد جلالة الملك على أنه لا حاجة لطرف ثالث للتدخل أو الوساطة بين البلدين، لأن المفروض هو التكامل والاندماج بين المغرب والجزائر، لكن الواقع يؤكد أن الوضع غير طبيعي، وغير مقبول، لأن إغلاق الحدود يكلف خسارة للجانبين لا تقل عن 2% من نسبة النمو، مع العلم أن ما يجمع الشعبين الشقيقين أكثر مما يفرقهما، هناك التاريخ المشترك، والدم واللغة والدين والجغرافيا. مما يمكن أن يستجيب لتطلعات الشعبين المغربي والجزائري، وبالتالي أسقط المغرب كل المبررات الواهية التي تعلق عليها السلطات الجزائرية موقفها الرافض لفتح الحدود وإقامة علاقات ثنائية عادية بين البلدين، على أساس حوار صريح ومكشوف يمكن من تجاوز نقط الخلاف العالقة.
طبعا منذ توليه العرش، وجلالة الملك يعمل جاهدا على تدليل الصعاب وتحييد العقبات أمام التقارب المغربي الجزائري، إلا أن الإرادة المغربية كانت تصطدم بموقف معاكس من الجارة الشرقية. اليوم جلالة الملك يكشف عن استعداد المملكة للانخراط في حوار مباشر وصريح مع الجزائر لتجاوز الخلافات، مؤكدا أن المغرب لن يدخر أي جهد من أجل تجاوز الخلافات الظرفية والموضوعية، التي تعيق تطور العلاقات بين البلدين. واقترح إعداد آلية سياسية للحوار والتشاور يتم الاتفاق على شكلها وطبيعتها، مؤكدا أن المملكة تبقى منفتحة على الاقتراحات والمبادرات التي قد تتقدم بها الجزائر، بهدف تجاوز حالة الجمود التي تعرفها العلاقات بين البلدين الجارين.
مقابل ذلك، ذكر جلالة الملك بالسقف المغربي في التفاوض، وأن مقترح الحكم الذاتي هو أقصى ما يمكن أن يقدمه المغرب، وأن الأمم المتحدة مدعوة لتفادي أخطاء الماضي والاستفادة من الدروس، خاصة وأن الاستفتاء أصبح متجاوزا، ولا مجال للحديث عن تقرير المصير، في ظل وجود مقترح واقعي وذي مصداقية على المستوى الدولي. الخلاصة هي أن الكرة الآن ومن جديد في مرمى السلطات الجزائرية التي عليها أن تتحمل تبعات قراراتها تاريخيا إذا استمرت في موقف العناد. نتمنى أن ينتصر العقل والحكمة على سلوك العناد.
وإذا كان جلالة الملك قد أكد في خطابه الأخير على أن إطلاق المسيرة الخضراء شكل مرحلة فاصلة، في النضال المتواصل، من أجل استكمال الوحدة الترابية للبلاد، والتلاحم القوي بين العرش والشعب، في استرجاع أقاليمنا الجنوبية، فإنه وجه رسالتين قويتين للمنتظم الدولي ولممتهني الريع والابتزاز بالداخل، فقد ثمن جلالة الملك من جهة، مجهودات الأمين العام للأمم المتحدة في إطار طموح المغرب إلى التعاون الصادق معه، ودعم مجهودات مبعوثه الشخصي قصد إرساء مسار سياسي جاد وذي مصداقية، تعكسه المبادرات البناءة، والتجاوب الإيجابي للمغرب، مع مختلف النداءات الدولية، لتقديم مقترحات عملية، كفيلة بإيجاد حل سياسي دائم، على أساس الواقعية وروح التوافق، وفي إطار مبادرة الحكم الذاتي. ومن جهة ثانية، تضمن الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى الثالثة والأربعين للمسيرة الخضراء، دعوة جديدة لوضع حد لسياسة الريع والامتيازات، ورفض كل أشكال الابتزاز أو الاتجار بقضية الوحدة الترابية للمملكة، مؤكدا “تمسك المغرب بمقترح الحكم الذاتي لحل قضية الصحراء”. لقد جدد جلالة الملك الدعوة للقطع مع الريع وازدواجية الولاء والابتزاز، في أقاليمنا الجنوبية، وأيضا في كل جهات المملكة، صحيح أن النزاع المفتعل يبرز ظاهرتي الريع والابتزاز في الصحراء، ولكن لا يمكن فصل الريع في الصحراء عن مجمل الريع في المغرب.
لقد أكد جلالة الملك في خطاب ذكرى “المسيرة الخضراء”، أنه لن يدخر أي جهد في سبيل النهوض بتنمية الأقاليم الجنوبية في إطار النموذج التنموي الجديد، “حتى تستعيد الصحراء المغربية دورها التاريخي كصلة وصل رائدة بين المغرب وعمقه الجغرافي والتاريخي الإفريقي”. كما أبرز أن “تنزيل الجهوية المتقدمة يساهم في انبثاق نخبة سياسية حقيقية تمثل ديمقراطيا وفعليا سكان الصحراء، وتمكنهم من حقهم في التدبير الذاتي لشؤونهم المحلية، وتحقيق التنمية المندمجة، في مناخ من الحرية والاستقرار”.
وارتباطا بعودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي، أكد الخطاب الملكي أن رجوع المملكة إلى أسرتها المؤسسية “لم يكن فقط بهدف الدفاع عن قضية الصحراء المغربية، والتي تتقاسم معظم الدول الإفريقية موقف المغرب بشأنها، وإنما هو نابع أيضا من الاعتزاز بالانتماء للقارة، والالتزام بالانخراط في الدينامية التنموية التي تعرفها، والمساهمة في رفع مختلف التحديات التي تواجهها، دون التفريط في حقوقنا المشروعة ومصالحنا العليا”.

وأضاف جلالة الملك أنه بنفس الروح سيعمل المغرب على الاستثمار في شراكات اقتصادية ناجعة ومنتجة للثروة، مع مختلف الدول والتجمعات الاقتصادية، بما فيها الاتحاد الأوروبي. إلا أنه لن يقبل بأي شراكة تمس بوحدتنا الترابية، مشيرا إلى حرص المملكة على أن تعود فوائد هذه الشراكات بالنفع المباشر، أولا وقبل كل شيء، على ساكنة الصحراء المغربية، وأن تؤثر إيجابيا في تحسين ظروف عيشهم، في ظل الحرية والكرامة داخل وطنهم.
نتمنى أن يكون الغد القريب فاتحة جديدة لصفحات مضيئة في تاريخ العلاقات المغربية الجزائرية، التي تعتبر البداية لتأسيس كل التوافقات وتجاوز الكثير من العقبات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في البلدين في إطار علاقة رابح-رابح.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.