احدث المقالات
Home > كتاب الحدث > الافتتاحية > الافتتاحية: لا عذر للجزائر بعد اليوم

الافتتاحية: لا عذر للجزائر بعد اليوم

بقلم: عبد المنعم سبعي

أخطر الأزمات التي يعانى منها الشعبان المغربي والجزائري الآن هي إفلاس حلم فتح الحدود البرية بين المغرب والجزائر، وغياب الآذان الصاغية لهموم وانتظارات الشعبين،  فأضحت أحلام الشعبين الجارين الشقيقين فقيرة جدا، وضاقت حولهما الأشياء حتى أصبحا يشعران باختناق في كل حلم جميل يعيد الدفء للأقرباء والأشقاء والجيران، كم كانت تلك الصور التي تتكرر يوميا  بمنطقة “بين لجراف” بالسعيدية مخجلة، وكم كانت الأسر التي لا يفصل بينها إلا وادي كيس متباعدة ومتنائية تكتفي بالتلويح ومباركة المناسبات عن بعد، محرومين من لقاء ووصل كان ممكنا أن يتحقق لبضع دقائق لو كانت الحدود البرية بين البلدين مفتوحة.

لقد شكل الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى الثالثة والأربعين للمسيرة الخضراء، كما عبر عنه الكثير من المتتبعين فرصة تاريخية لتجاوز الخلافات بين البلدين الجارين، متمسكا بالأخوة الصادقة مع الجزائر ومبنيا على أرضية غير مسبوقة تتعلق باقتراح آلية سياسية للتنسيق والتشاور بين المغرب والجزائر، وأوضح جلالته في خطابه أن الآلية المقترحة “يمكن أن تشكل إطارا عمليا للتعاون، بخصوص مختلف القضايا الثنائية .. كما ستساهم في تعزيز التنسيق والتشاور الثنائي لرفع التحديات الإقليمية والدولية، لا سيما في ما يخص محاربة الإرهاب وإشكالية الهجرة”. فحرارة الخطاب الملكي قد تذيب كرة الثلج بين البلدين وتضع الشعبين أمام فرصة عظيمة بل صفقة مصالحة تاريخية. إن من شأن الآلية التي اقترح جلالة الملك تشكليها أن تتيح للبلدين مناقشة كل القضايا الثنائية “دون محظورات”

لقد سلط الخطاب الملكي السامي الضوء على واقع التفرقة والانشقاق داخل الفضاء المغاربي، والذي لا يتماشى مع الطموح الذي كان يحفز جيل التحرير والاستقلال إلى تحقيق الوحدة المغاربية، مشيرا إلى إبراز جلالته لمعاناة مجموعة من الأسر المغربية والجزائرية تربطها أواصر الدم والقرابة جراء هذا الواقع.
وذكر جلالة الملك بمحاولاته وطموحاته في فتح الحدود بين البلدين وبتطبيع العلاقات المغربية الجزائرية، منذ تولي جلالته العرش، لافتا إلى نفي جلالته الحاجة لطرف ثالث للتدخل أو الوساطة بين البلدين.
إن جلالة الملك أكد أن المغرب منفتح على الاقتراحات والمبادرات التي قد تتقدم بها الجزائر، بهدف تجاوز حالة الجمود التي تعرفها العلاقات بين البلدين الجارين الشقيقين، والتي ستساهم في تعزيز التنسيق والتشاور الثنائي لرفع التحديات الإقليمية والدولية، لاسيما في ما يخص محاربة الإرهاب وإشكالية الهجرة.
وأضاف جلالته أن العمل، يدا في يد، مع الجزائر، في إطار الاحترام الكامل لمؤسساتها الوطنية من أجل إرساء العلاقات الثنائية على أسس متينة، من الثقة والتضامن وحسن الجوار يمكن أن يكون سبيلا للعودة لمشروع تحقيق الوحدة المغاربية.

إن هذا الخطاب ليس كباقي الدعوات والإشارات السابقة التي كان يلتقطها المتتبعون والصحفيون من خلال بعض تصريحات المسؤولين الجزائريين، فقد شكلت بعض الإشارات التي تزاحمت خلال السنوات الماضية طعما لمتطلعي الانفراج بين البلدين حتى سال لعابهم للاعتقاد بقرب دنو آجال التقارب، وكانت بوادر الانفراج في علاقة البلدين الشقيقين، ـ بحسب المتتبعين ـ بدأت بخطوة الجزائر عبر عناق وزيرها في الخارجية لنظيره المغربي، ودخولهما معا لقاعة المؤتمرات يدا بيد خلال السنة الماضية،  نفس الانطباع ساد عندما شاركت الجزائر بوفد رفيع المستوي في مؤتمر الأمم المتحدة حول التغيرات المناخية ” كوب22 ” الذي  احتضنته مدينة مراكش السنة ما قبل الماضية ، ومثل الجزائر وقتئذ رئيس مجلس الأمة، عبد القادر بن صالح، وعد تعيين الرجل الثاني في الدولة، على رأس الوفد الجزائري في هذا المؤتمر العالمي واحدا من مؤشرات الانفراج في العلاقات،  لكن شيئا من ذلك لم يحدث

نفس الأمل ملأ قلوب المتتبعين عندما صرح في وقت سابق الوزير الأول، عبد المالك سلال، لصحيفة «الشرق الأوسط» إن “المغرب بلد جار وشقيق، بيننا نقاط خلاف عالقة تتباين بشأنها وجهات النظر، حيث تفضل الجزائر مقاربة شاملة تطرح فيها القضايا في حوار مباشر، خصوصا أن الأمر يتعلق بمواضيع محددة يبقى استعداد بلادنا كاملا لتسويتها بطريقة جدية وسلمية، كي يتمكن البلدان من التفرغ إلى المهمة الأسمى ألا وهي بناء اتحاد المغرب العربي كما تتطلع له شعوبنا”. لكن الأحداث المتتالية بخرت مثل هذه الآمال وسقطت المساحيق المنتهية الصلاحية من وجوه المسؤولين الجزائريين.

وتبقى العلاقات الجزائرية المغربية حبيسة الرسائل البروتوكولية والتصريحات الودية من الطرفين وهي في مجملها تدعو إلى الحوار المباشر والتفاهم بين الأشقاء في وقت لم يتجسد على الأرض أي لقاء رسمي على أعلى مستوى أو حتى تجاوز الخلافات المطروحة بين البلدين، أبرزها ما تعلق بقضية الصحراء المغربية.

المؤكد أن الرسائل الودية والإشارات التي التقطها الإعلاميون والسياسيون  تبقى رسائل موسمية لأنه ليس هنالك ما يقابلها على أرض الواقع من بناء عمودي للمؤسسات المشتركة أو عقد لقاء قمة على مستوى رئيسي الحكومتين أو تجسيد لجان مشتركة أو حتى الذهاب نحو فتح الحدود المغلقة بين البلدين. فها هو الخطاب الملكي جاء فاتحا أبواب الانفراج مشرعة، فهل ستنصاع الجزائر لصوت الحكمة وتغليب مصلحة الشعبين والبلدين، أم ستلجأ إلى مراوغة جديدة كما عهدناه في المسار الخلافي بين البلدين الجارين؟

إن الخلافات الجزائرية المغربية عبارة على صراع فوق نار هادئة تتحكم فيه العلاقات الخارجية أكثر من الداخلية و تتأثر بالأدوار الكبيرة التي يلعبها المغرب في إفريقيا وباقي العالم. وأمام هذه الدعوة الملكية التي تبدو مفتوحة وخالية من المحظورات، يمكن القول إن المائدة المستديرة في جنيف بشأن ملف الصحراء المغربية يومي خامس وسادس دجنبر القادم ستكشف عن مستوى الرغبة الجزائرية في إجراء مراجعة او إحداث تطوير حقيقي في بنية العلاقات الثنائية المغربية الجزائرية”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.